«رنا النطار… حين تصبح المعرفة أسلوب حياة، وتتحول الكلمة من شغف إلى مسؤولية»
القاهرة – مصطفى المصري:
ليست كل الحكايات تُروى لأنها مكتملة، وبعض الشخصيات لا تُكتب لأنها تبحث عن الضوء، بل لأن حضورها الهادئ يفرض نفسه دون استئذان. الدكتورة رنا النطار واحدة من تلك الأسماء التي لا تتعجل المشهد، ولا تدخل المساحات الصاخبة بحثًا عن تصفيق عابر، لكنها تترك أثرًا عميقًا يشبه النقوش الصامتة في الذاكرة؛ ثابتة، واضحة، وصادقة.
هي ليست فقط كاتبة تملك حسًا إنسانيًا عاليًا، ولا محاوِرة تجيد إدارة الأسئلة، ولا باحثة أكاديمية تسير وفق المناهج الصارمة وحسب، بل هي حالة فكرية متكاملة تشكّلت عبر سنوات من التجربة، والمراجعة، والاختيار الواعي. امرأة آمنت بأن المعرفة ليست رفاهية، وأن الكلمة ليست لعبة، وأن الظهور لا قيمة له إن لم يكن وراءه معنى حقيقي.
في مسيرتها، لا يمكن فصل الإنسانة عن الباحثة، ولا الأم عن الكاتبة، ولا التجربة الشخصية عن الوعي العام. كل مرحلة مرت بها رنا النطار أضافت طبقة جديدة إلى وعيها، وصقلت رؤيتها، ووسّعت من قدرتها على الفهم والتحليل دون أحكام جاهزة أو انحياز أعمى. لذلك جاءت كتاباتها مختلفة، وحواراتها صادقة، وأطروحاتها قريبة من الناس دون أن تفقد عمقها الأكاديمي.
هذا الحوار لا يقدّم سيرة ذاتية بقدر ما يفتح نافذة على عقلٍ يفكر بهدوء، وقلبٍ يكتب بصدق، وامرأة اختارت أن تكون مسؤولة عن كلمتها، وعن تأثيرها، وعن صورتها أمام الأجيال الجديدة التي تقرأ وتراقب وتتعلم.
من هي رنا النطار؟ وكيف تشكّلت رحلتكِ بين الكتابة، والإعلام، والدراسة الأكاديمية؟
رنا النطار، خريجة إعلام إنجليزي – قسم إذاعة وتليفزيون – جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، لكن رحلتي الحقيقية لم تبدأ من قاعات الدراسة فقط، بل من الحياة نفسها. مررت بتجربة الأسرة مبكرًا، واخترت في مرحلة ما أن أكون أمًا حاضرة في حياة ابنتيّ، دون أن أتنازل عن حلمي أو ألغيه، بل أجلته حتى يحين وقته.

حين عدت للدراسة، عدت بوعي مختلف، بعقل امرأة خاضت التجربة، لا فتاة تبحث عن إثبات ذاتها فقط. درست «دراسات المرأة» في الجامعة الأردنية، ثم انتقلت إلى مرحلة الدكتوراه في دراسات الخليج بجامعة قطر، لأوسع زاوية الرؤية، وأفهم المنطقة ككل سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، بعيدًا عن القوالب الضيقة.
تجمعين بين كونكِ كاتبة ومحاورة وباحثة دكتوراه… كيف انعكس هذا التنوع على رؤيتكِ؟
هذا التنوع لم يكن قرارًا بقدر ما كان انعكاسًا لطبيعتي. أنا لا أؤمن بالفصل الحاد بين التخصصات، لأن الإنسان كيان واحد. الكتابة منحتني القدرة على التعبير، والإعلام علّمني الإنصات وإدارة الحوار، والدراسة الأكاديمية منحتني أدوات التحليل والعمق. كل مجال يكمّل الآخر دون أن يلغي شخصيتي أو يفرض عليها قالبًا جامدًا.
متى شعرتِ أن الكتابة لم تعد مجرد شغف شخصي؟
اللحظة الفارقة كانت حين أدركت أن كلماتي لم تعد تخصني وحدي. عندما وجدت الناس تعيد نشر ما أكتبه، وتسألني عن رأيي، وتتعامل مع كلماتي باعتبارها مرجعًا أو موقفًا. الأكثر تأثيرًا كان حين لاحظت أن الجيل الأصغر، صديقات بناتي، يقرأن ويتناقشن فيما أكتب. هنا فهمت أن أي كلمة قد تُبنى عليها فكرة أو قناعة، وأن الصدق لم يعد خيارًا، بل واجبًا.
إلى أي مدى أثرت دراستكِ الأكاديمية على اختياراتكِ في الكتابة والحوار؟
الدراسة الأكاديمية زادتني وعيًا، لكنها لم تُقيد موهبتي. أنا أؤمن أن الكتابة في جوهرها موهبة فطرية، لكن المعرفة توسّع أفق الكاتب وتجعله أكثر مسؤولية. لم أكتب يومًا لأنني درست هذا الموضوع أكاديميًا، بل أكتب لأن لدي رأيًا وتجربة وشعورًا. الدراسة جعلتني أرى الصورة كاملة، وأبتعد عن الأحكام السطحية، لكنها لم تفرض عليّ أسلوبًا أو لغة.
في زمن السرعة والسوشيال ميديا، كيف تحافظين على عمق المحتوى؟
لأنني لا أكتب من أجل التريند. أنا أكتب لأن لدي ما أريد قوله، لا لأن هناك جمهورًا ينتظر إثارة أو جدلًا. العمق لا يُصنع، بل يُحسّ. حين تكون الكتابة صادقة، يصل المعنى دون افتعال.
ما أبرز التحديات التي واجهتكِ كامرأة عربية في البحث الأكاديمي والإعلام؟
التحدي الأكبر كان التوفيق بين أدوار متعددة: أم، وباحثة، وكاتبة، وإنسانة لها احتياجاتها. السفر المتكرر، والنظرة المجتمعية لسفر المرأة، والضغط النفسي، كلها كانت تحديات حقيقية. لكنني كنت مؤمنة أن الطريق المختلف هو الطريق الصحيح بالنسبة لي.
من خلال تجربتكِ كمحاوِرة، ما الذي يصنع حوارًا مؤثرًا؟
الحوار الحقيقي يبدأ بالإنصات. حين يشعر الضيف أنكِ لا تحاكمينه ولا تستعرضين معرفتك، بل تحترمين عقله وتجربته، يخرج الحوار صادقًا ومؤثرًا.
هل هناك تجربة شكلت نقطة تحول حقيقية في مسيرتكِ؟
حين درست التمكين السياسي للمرأة، ثم خضت تجربة حزبية على أرض الواقع، أدركت الفجوة بين التنظير والتطبيق.
هذه التجربة جعلتني أكثر واقعية، وأقل انجرافًا وراء الشعارات.ما الحلم الذي تسعين لتحقيقه في المرحلة القادمة؟حلمي أن أنهي رسالة الدكتوراه بإنجاز حقيقي، لا شكلي، وأن أعود للكتابة بقوة وهدوء في آن واحد. أتمنى أن يرى كتابي الجديد «استيقظت النساء» النور في توقيته الصحيح، وأن أظل صادقة مع نفسي… لأن الصدق هو الإنجاز الوحيد الذي لا يسقط مع الزمن


















