dhl
dhl

تلوث الهواء في العاصمة… أزمة بيئية وصحية تتطلب حلولاً فورية

القاهرة _ أميرة المحمدي:

تشهد القاهرة في هذه الأيام مستويات خطيرة من تلوث الهواء، وقد صنّفت العاصمة ضمن أكثر المدن الكبرى تلوثًا في العالم وفق مؤشر جودة الهواء الصادر صباح 12 يناير 2026، حيث بلغ مؤشر جودة الهواء حوالي 153 وهو مصنف ضمن الفئة “الخطرة” في كثير من الفترات خلال اليوم، مع سيطرة مرتفعة لجسيمات دقيقة PM2.5 تتجاوز بكثير المعايير الصحية العالمية التي توصي بها منظمة الصحة العالمية.

تكمن جذور هذه الأزمة في مزيج من المصادر المحلية والإقليمية؛ فأسباب التلوث في القاهرة ليست نتيجة حدوث واحد، بل تنتج عن انبعاثات المركبات الكثيفة، وانبعاثات المصانع، والنمو الحضري السريع، والغبار القادم من الصحراء، والممارسات غير المنظمة في إدارة النفايات، وكلها تساهم في تراكم الملوثات في الهواء المحيط بالسكان.

وتتفاقم المشكلة في فصل الشتاء عندما تكون ظروف الطبيعة الجوية أكثر ثباتًا، فيبقى الهواء الرديء عالقًا في الطبقات السفلى من الجو، ما يجعل من الصعب تشتت الملوثات بسرعة، في ظل استمرار حركة المرور والنشاط الصناعي. التأثيرات الصحية لتلوث الهواء لا تقتصر على الضيق التنفسي فحسب، بل تمتد إلى تأثيرات أوسع على صحة الإنسان، إذ تشير الأبحاث إلى أن التعرض الطويل للجسيمات الدقيقة يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بمرض الربو، التهاب الشعب الهوائية المزمن، أمراض القلب، ضعف وظائف الرئة، وربما تأثيرات على الصحة العقلية للأطفال، إذ يمكن لهذه الجسيمات أن تخترق الرئتين ثم الدماغ وتؤثر بدورها على الحالة النفسية والمعرفية.

اقرأ أيضاً… السياحة المصرية بين الطموح والتحول الرقمي

هذا إلى جانب أن تلوث الهواء يُعد واحدًا من الأسباب الرئيسية للوفيات المبكرة عالميًا، وقدرت دراسات دولية أن ملايين الوفيات سنويًا في أفريقيا ناتجة عن تلوث الهواء بنسب كبيرة، مما يسلط الضوء على خطورة هذا العدو الصامت. وليس العناء الصحي وحده ما يثار في الشارع، بل يشعر الكثير من سكان القاهرة يوميًا بتدهور جودة الحياة بسبب روائح العوادم، وغياب الهواء النقي، وتراجع النظر الواضح في الأفق، ما يدفع بعضهم إلى التعبير عن استيائهم من تدهور البيئة في المدينة التي يعيشون فيها.

بالرغم من تلك الصورة المتأزمة، هناك جهود حكومية واضحة لمواجهة أزمة تلوث الهواء عبر خطط متكاملة شاركت فيها عدة وزارات، تهدف إلى الحد من عوادم المركبات، وجمع وتدوير المخلفات الزراعية، والتحكم في انبعاثات المنشآت الصناعية، وتنفيذ برامج توعوية، مع متابعة ورصد مستمر لجودة الهواء.

كما حققت وزارة البيئة تقدمًا ملموسًا في مشروع إدارة تلوث الهواء وتغير المناخ في القاهرة الكبرى خلال عام 2025 بدعم من تمويل دولي، سعياً إلى تحسين الظروف البيئية. ولا يمكن تجاهل أن تقليل الاعتماد على المركبات الخاصة وتحسين شبكات النقل العام النظيف يمثل أحد أبرز الحلول المقترحة، حيث أوضح خبراء بيئيون وعاملون في النقل أن التحول إلى وسائل نقل أكثر استدامة يقلل من انبعاث الغازات الملوثة ويخفف الضغط على جودة الهواء في المدن الكبرى.

على صعيد المواطنين، ينصح الخبراء باتخاذ عدد من الإجراءات الوقائية اليومية لحماية الصحة، خاصة في فترات ارتفاع التلوث، منها:

• البقاء في أماكن مغلقة قدر الإمكان عندما تكون جودة الهواء ضعيفة.

• ارتداء أقنعة واقية (مثل KN95) عند ممارسة أنشطة خارجية ضرورية.

• إغلاق النوافذ وتشغيل أجهزة تنقية الهواء داخل المنازل.

• متابعة تطبيقات جودة الهواء للتعرف على الأوقات الخطرة وتجنب التعرض الطويل خارج المنزل. ورغم كل التحديات، يؤكد العديد من الخبراء أن التعامل مع تلوث الهواء ليس مستحيلاً، ويتطلب تنسيقاً بين الجهات الحكومية، تعزيز الوعي المجتمعي، وتطبيق حلول تكنولوجية وتنظيمية واعية تحقق الاستدامة البيئية، وفي الوقت نفسه تحمي صحة السكان وتضمن جودة الحياة المستقبلية في العاصمة.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.