القاهرة _ أميرة المحمدي:
شهدت القاهرة قمة مصرية–تركية رفيعة المستوى جمعت الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس رجب طيب أردوغان، في لقاء وُصف بأنه نقطة تحول مهمة في مسار العلاقات الثنائية، بعد سنوات من التوتر والجمود. القمة لم تقتصر على الطابع السياسي والدبلوماسي، بل خرجت بنتائج عملية مباشرة، تمثلت في توقيع 18 اتفاقية ومذكرة تفاهم تغطي قطاعات استراتيجية، بما يعكس رغبة مشتركة في تأسيس مرحلة تعاون مؤسسي واسع النطاق.الاتفاقيات الموقعة شملت مجالات الدفاع، والسياحة، والصحة، والزراعة، والتعاون الاقتصادي والفني، وهي قطاعات تمثل أعمدة رئيسية في أي شراكة طويلة المدى. ويعكس هذا التنوع توجهًا نحو بناء علاقة متوازنة متعددة المسارات، لا تعتمد على ملف واحد، بل على شبكة مصالح متداخلة تضمن الاستمرارية والاستقرار.• تعاون اقتصادي يتجه للتوسعفي الجانب الاقتصادي، أكد مسؤولو التجارة من الجانبين وجود خطة لرفع حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يمثل قفزة ملحوظة مقارنة بالمستويات السابقة.
ويجري العمل على تحقيق ذلك عبر تسهيل الإجراءات التجارية، وزيادة الشراكات الصناعية، وتشجيع الاستثمارات المتبادلة، خصوصًا في قطاعات التصنيع والغزل والنسيج والصناعات الغذائية والهندسية.كما يُتوقع أن يشهد التعاون بين مجتمع الأعمال في البلدين نشاطًا أكبر، مع فتح قنوات مباشرة بين الشركات والمستثمرين، وتنشيط المعارض التجارية والبعثات الاستثمارية. وتمثل مصر في هذا السياق منصة إنتاج وتصدير مهمة للأسواق الإفريقية والعربية، بينما توفر تركيا خبرات صناعية وتكنولوجية متقدمة يمكن توظيفها في مشروعات مشتركة.• الصناعة والاستثمار في صدارة الأولوياتالقطاع الصناعي يُعد من أبرز المستفيدين المحتملين من هذا التقارب، حيث أبدت شركات تركية اهتمامًا بتوسيع وجودها الصناعي داخل مصر، مستفيدة من البنية التحتية الصناعية والمناطق الاقتصادية، إضافة إلى الاتفاقيات التجارية التي تمنح المنتجات المصنعة في مصر نفاذًا تفضيليًا لعدة أسواق.كما أن التعاون في مجالات الزراعة والصناعات المرتبطة بها قد يفتح آفاقًا لتبادل الخبرات والتقنيات الحديثة، خاصة في مجالات التصنيع الغذائي وسلاسل الإمداد والتخزين، وهو ما يدعم الأمن الغذائي ويعزز القيمة المضافة.• السياحة والصحة والتعاون الخدميالاتفاقيات شملت أيضًا قطاعات خدمية مثل السياحة والصحة، مع توجه لتبادل الخبرات وزيادة حركة السفر والتعاون بين المؤسسات الطبية والسياحية. هذا المسار يعزز ما يُعرف بالتعاون “الناعم” بين الدول، والذي ينعكس سريعًا على حركة الأفراد والتبادل الثقافي والاقتصادي غير المباشر.تعكس قمة القاهرة بين مصر وتركيا انتقال العلاقة من مرحلة إعادة التواصل إلى مرحلة الشراكة المحسوبة، القائمة على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة. فاختيار ملفات عملية قابلة للتنفيذ — مثل الصناعة والتجارة والزراعة — يشير إلى رغبة في تحقيق نتائج ملموسة تتجاوز الإطار البروتوكولي.نجاح هذه الانطلاقة سيعتمد على سرعة تحويل الاتفاقيات إلى مشروعات قائمة، وقدرة الجانبين على توفير بيئة تنظيمية وتمويلية داعمة. وإذا تحقق ذلك، فقد نشهد تشكّل محور تعاون اقتصادي مؤثر في شرق المتوسط، يقوم على التكامل لا التنافس، وعلى المصالح المتبادلة لا الحسابات المؤقتة.في عالم يتجه نحو التكتلات الاقتصادية الإقليمية، تبدو الشراكات المرنة القائمة على المنفعة المتبادلة أكثر قدرة على الصمود من التحالفات الظرفية. وما خرجت به قمة القاهرة يضع حجر أساس لعلاقة يمكن أن تتحول — إذا أُحسن استثمارها — إلى نموذج تعاون إقليمي عملي. الكرة الآن في ملعب التنفيذ: فالاتفاقيات تفتح الأبواب، لكن المشروعات وحدها هي التي تصنع التاريخ الاقتصادي الحقيقي.



