dhl
dhl

حوار خاص|..نورهان علام: «البحث عن زهرة كان بحثًا عن عدالة تاريخية ولا يمكن الاعتماد على الحكايات وحدها في كتابة التاريخ»

القاهرة _ أميرة المحمدي :

في نقابة الصحفيين، حيث يتقاطع التاريخ مع الكلمة، كان اللقاء مع الباحثة نورهان علام سالم أقرب إلى جلسة تفكيك لذاكرة صامتة.

لم تكن تتحدث عن سيرة أميرة منسية فحسب، بل عن إشكالية أوسع تتعلق بكتابة التاريخ ذاته، وبالفراغات التي تتركها السرديات الكبرى حين تنشغل بالأسماء اللامعة وتغفل الظلال المحيطة بها.نورهان، الكاتبة والباحثة المهتمة بالتاريخ الاجتماعي لمصر، تنتمي إلى جيلٍ لم يكتفِ بتلقي الروايات الجاهزة، بل قرر مساءلتها. وعلى الرغم من تخرجها في كلية العلوم الطبية التطبيقية – تخصص المختبرات – وعملها في المجال الطبي منذ تخرجها، فإن شغفها المبكر باللغة العربية والأدب والشعر ظل يوازي مسارها العلمي.

هذا الشغف قادها إلى دراسة الأنثروبولوجيا بعد التخرج، فحصلت على دبلومة في العلوم الإنسانية، وهي حاليًا بصدد إعداد رسالة الماجستير، في محاولة للجمع بين الحس العلمي الصارم والرؤية الإنسانية النقدية.بدأت رحلتها الأدبية مبكرًا؛ ففي عام 2019 نشرت روايتها القصيرة «دقيقة من فضلك»، ثم خاضت تجربة تطوعية في إندونيسيا عام 2020 داخل مدرسة للأطفال، وهي تجربة وصفتها بأنها «مفصلية»، إذ دفعتها إلى كتابة عمل في أدب الرحلات تقدمت به إلى مسابقة ابن بطوطة، ونال إشادة نقدية، وإن لم يرَ النور بعد.

غير أن التحول الحقيقي في مسارها البحثي جاء من القاهرة نفسها.في نوفمبر 2020، شاركت في مبادرة «سيرة القاهرة» الهادفة إلى تنظيف بعض المواقع الأثرية. هناك، كما تقول، تبدلت علاقتها بالمدينة: لم تعد القاهرة مجرد فضاء للعيش، بل صارت نصًا تاريخيًا حيًا، يمكن قراءته وتأمله. تصف تلك المرحلة بأنها «لحظة دخول سحرية إلى عالم التاريخ»، ومنها بدأ وعيها يتشكل حول ضرورة إعادة النظر في المسكوت عنه داخل الذاكرة المصرية.

جاءت شرارة مشروعها البحثي من قراءة عابرة. أثناء مطالعتها لكتاب «فنان في مصر» – وهو عمل ينتمي إلى أدب الرحلات – توقفت أمام إشارة إلى «زهرة بنت محمد علي باشا»، وُصفت بأنها أصغر بناته. تقول نورهان إنها لم تجد في قراءاتها السابقة أي ذكر واضح لبنات محمد علي، رغم وفرة الدراسات حوله بوصفه مؤسس الدولة المصرية الحديثة.

أثارها السؤال: كيف يمكن أن تغيب بناته تمامًا عن السرديات التاريخية الشائعة؟سألت عددًا من المتخصصين خلال إحدى الندوات، فجاءها الرد بالنفي؛ لا ذكر لاسم «زهرة» في المصادر المتداولة. بل إن بعضهم شكك في صحة ما أورده الرحالة. غير أن الشك لم يثنها، بل دفعها إلى البحث المعمق.

أربع سنوات من التقصي، ومراجعة المصادر العربية والأجنبية، والنبش في الروايات المتناثرة، حتى انتهت إلى حقيقة أن «زهرة» هو اسم ثالث للأميرة خديجة نازلي بنت محمد علي باشا.هنا تحوّل الفضول إلى مشروع بحثي متكامل، هدفه ليس فقط إثبات وجود شخصية تاريخية، بل مساءلة أسباب تغييبها.يتناول كتابها سيرة الأميرة خديجة نازلي، المعروفة أيضًا باسم «زهرة»، بوصفها نموذجًا لشخصية أُزيحت إلى هامش التاريخ.

يناقش العمل أسباب غيابها عن الذاكرة، ويعيد قراءة الاتهامات التي وُجهت إليها، متسائلًا عن توقيتها وسياقها: هل وُلدت تلك الاتهامات في حياتها أم بعد رحيلها؟ وما الظروف السياسية والاجتماعية التي سمحت بترسيخها؟

لا يتوقف الكتاب عند حدود السيرة الفردية، بل يفتح ملف أزمة المصادر العربية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ويناقش إشكالية الاعتماد على أدب الرحلات كمصدر وحيد أو نهائي للحقيقة التاريخية. كما يتتبع أثر التحولات السياسية والاجتماعية على تغييب بعض الشخصيات، خاصة النساء داخل أسرة محمد علي، في ظل هيمنة السردية الرسمية التي احتفت بالحاكم وأهملت محيطه.

وتتوقف نورهان عند مفهوم «الحرملك» بوصفه فضاءً محجوبًا عن التوثيق الدقيق، ما جعله عرضة لإعادة التشكيل عبر المخيلة الاستشراقية الأوروبية، التي أعادت سرد قصص نساء القصور في إطار درامي يتماهى مع خطاب الاستعمار. في هذا السياق، لم تكن زهرة مجرد أميرة منسية، بل ضحية سردية كبرى أعادت تلوين الوقائع بما يخدم تصورات نمطية عن الشرق.

وتؤكد نورهان أنها سعت في الفصول الأولى من الكتاب إلى بناء «تاريخ شخصي» للأميرة قائم على الوقائع المثبتة، لا على الحكايات الشفهية أو الروايات الأسطورية، محاولةً لملمة الأخبار المبعثرة وإعادة تركيب صورة أكثر اتساقًا وعدالة.وترى أن إعادة الاعتبار لشخصيات نسائية منسية ليست ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة معرفية. فالتاريخ، في رأيها، ليس نصًا مغلقًا، بل مشروعًا قابلًا للمراجعة.

وكلما أُعيد طرح الأسئلة من زوايا جديدة، اتسعت رؤيتنا للماضي وتحررت من أحكام مسبقة طالما بدت مسلمات.وتؤمن نورهان أن الأميرة خديجة نازلي لم تكن مجرد ظل في قصر، بل شخصية لها حضور وتأثير، وإن جاء في صور غير مباشرة، داخل شبكة العلاقات الاجتماعية والسياسية التي تشكلت في تلك المرحلة الدقيقة من تاريخ مصر.

في ختام اللقاء، بدا واضحًا أن مشروع نورهان ليس دفاعًا عن شخصية بعينها فحسب، بل دفاعًا عن حق الذاكرة في الإنصاف. إنها دعوة إلى إعادة قراءة تاريخ القرن التاسع عشر من منظور اجتماعي وإنساني، يكشف ما أخفته السرديات الرسمية، ويشكك في الروايات الاستشراقية التي صاغت صورة الشرق وفق أهوائها.

وهكذا يجيء كتابها «بنت الباشا: زهرة بنت محمد علي والمجتمع المصري في القرن التاسع عشر» بوصفه محاولة جادة لترميم فجوة في الوعي التاريخي، واستعادة صوتٍ أنثوي كاد أن يضيع تحت ركام الأساطير، وتقديم قراءة نقدية تعيد التوازن إلى مشهدٍ طال اختلاله في كتابة تاريخ مصر الحديث.لم تكن نورهان علام تتحدث بوصفها باحثة أنهت كتابًا، بل بوصفها روحًا آمنت بأن السؤال يمكن أن يكون فعل مقاومة.

أربع سنوات من البحث لم تكن مجرد تتبع لاسمٍ غائب، بل كانت رحلة لإعادة الاعتبار لفكرة العدالة التاريخية ذاتها.لقد اختارت أن تنحاز إلى الظل، أن تفتش في المسكوت عنه، وأن تمنح صوتًا لامرأة طمرتها السرديات الكبرى تحت بريق الأسماء اللامعة.

لم تسعَ إلى صناعة بطلة أسطورية، بل إلى إعادة الإنسان إلى قلب الحكاية، وإلى مساءلة الطريقة التي نكتب بها تاريخنا ونورّثه للأجيال.إن تجربة نورهان مع «بنت الباشا» لم تُضِف إلى المكتبة التاريخية كتابًا فحسب، بل فتحت بابًا لوعيٍ جديد يُدرك أن التاريخ ليس ما كُتب وانتهى، بل ما يُعاد النظر فيه كلما امتلكنا شجاعة السؤال.

وهكذا تمضي نورهان في مشروعها، مؤمنةً بأن إنصاف الذاكرة هو الخطوة الأولى نحو إنصاف الحاضر، وأن البحث عن زهرة لم يكن إلا بحثًا عن حقيقةٍ أوسع… حقيقة أن لكل زمنٍ أصواتًا تستحق أن تُسمع.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.