dhl
dhl

سكوت سولومون يكتب: استكشاف الفضاء العميق.. تحديات بيولوجية

يتجه رواد الفضاء مجدداً إلى القمر – للمرة الأولى منذ عام 1972.بعد تأجيلٍ أخير، تستهدف وكالة «ناسا» إطلاق أربعة رواد فضاء في مارس المقبل من كيب كانافيرال بولاية فلوريدا في رحلة تستمر عشرة أيام حول القمر. وكجزء من برنامج «أرتميس» التابع لناسا، تهدف الرحلة إلى تمهيد الطريق لهبوطٍ مأهول على القمر بحلول عام 2028. أما الهدف طويل المدى فهو أكثر طموحاً: إنشاء قاعدة قمرية يستطيع الروّاد من خلالها الاستعداد لمهام إلى وجهات أبعد – وتحديداً إلى المريخ.بوصفي عالِماً ومستكشفاً، أفهم جاذبية هذا الطموح. فقد أرسلت «ناسا» عدة مجسات إلى الكوكب الأحمر، لكن فائدتها لا تُقارن بما يمكن لإنسان أن ينجزه. غير أن لدى البشر عيباً أساسياً يجعلنا غير مؤهلين تماماً لاستكشاف الفضاء العميق: بيولوجيتنا.لقد تعلمنا الكثير خلال الستين عاماً الماضية حول كيفية تأثير الفضاء على الجسم. فمن دون جاذبية الأرض، تضعف العضلات وتصبح العظام هشة. في الفضاء، تنتشر السوائل التي تتراكم عادةً في الساقين إلى الجزء العلوي من الجسم، حيث تُضغط على الأنسجة الحساسة في أعيننا وتُضعف الرؤية. هناك إشعاع على شكل جسيمات مُنطلقة من الشمس، والتي يُمكن أن تُتلف الحمض النووي البشري. بل إن هناك جسيمات أكثر خطورة تُعرف بالأشعة الكونية المجرية، تنتقل من المستعرات العظمى البعيدة بسرعة تقارب سرعة الضوء. كما أن الميكروبيوم، وهو مجموعة الكائنات الحية الدقيقة في الجسم التي تُقدم فوائد عديدة من المساعدة في هضم الطعام إلى مقاومة الأمراض، يتغير بشكل كبير في الفضاء.تُضاف إلى ذلك تحديات نفسية ناجمة عن التواجد في حيز مغلق مع عدد قليل من الرفاق، وإدراك مدى بُعدهم عن الوطن. يُعاني رواد الفضاء مما يُسمى «ضباب الفضاء»، وهو عدم القدرة على التفكير بوضوح. تُشير الأدلة المستقاة من الدراسات على الحيوانات إلى أن زيادة التعرض للإشعاع قد تُؤثر سلبا على القدرات الإدراكية.ورغم أن رواد الفضاء قد تعلموا كيفية التعامل مع العديد من هذه التحديات، فإن السفر إلى أعماق الفضاء ينطوي على مخاطر أكبر. تتضمن خطط ناسا للمريخ رحلات ذهاباً وإياباً تستغرق عامين ونصف العام على الأقل، وهو ما يتجاوز أطول مدة قضاها إنسان بعيداً عن الأرض بنحو عام. وقد جرت معظم عمليات استكشاف الفضاء البشري في مدار أرضي منخفض، وهو قريب بما يكفي من كوكبنا بحيث يتمتع رواد محطة الفضاء الدولية ومحطة «تيانجونج» الفضائية الصينية بحماية كبيرة من أخطر أنواع الإشعاع بفضل المجال المغناطيسي للأرض.ومع ذلك، عندما أمضى رائد الفضاء «سكوت كيلي» عاماً كاملاً على متن محطة الفضاء الدولية، عاد بتغيرات في حمضه النووي. ورغم أن معظمها يُعتقد أنه غير ضار نسبياً، فإن من يسافر أبعد ولمدد أطول ينبغي أن يتوقع ضرراً جينياً أكبر.يُعدّ الطعام أحد التحديات الأخرى التي تواجه رواد الفضاء عند الذهاب إلى المريخ. فهم عادةً ما يتناولون طعاماً مُعلّباً مُسبقاً وقابلاً للتخزين لفترة طويلة. أما في مهمة إلى المريخ، فلن يتمكنوا من الاستمتاع بالطعام الطازج لأكثر من بضعة أسابيع بعد المغادرة إلا إذا قاموا بزراعته، وهو أمرٌ تمّ تحقيقه في الفضاء على نطاقٍ محدود. وقد يُسبّب الاعتماد على المؤن المُعلّبة لسنواتٍ طويلة ضغوطاً جسدية ونفسية.وعلى الرغم من كل ما تعلمناه عن تأثير الفضاء في الجسد والعقل، وأهمية هذه المعرفة لطموحاتنا الكونية طويلة الأمد، فإن المدهش أن القليل نسبياً من الأبحاث يركز على بيولوجيا الإنسان. فمعظم التمويل الحكومي في قطاع الفضاء يُنفق على تطوير المعدات الهندسية اللازمة لإرسال الرواد والحفاظ على حياتهم. تُعدّ الصواريخ ومحطات الفضاء ضرورية، ولكن ما فائدتها إن لم يكن روّاد الفضاء فيها لا يعيشون فحسب، بل ينعمون بصحةٍ جيدة؟لم تعُد الوكالات الحكومية هي الجهات الوحيدة التي تُركّز على السفر إلى الفضاء. فشركاتٌ مثل «سبيس إكس» و«بلو أوريجين» هي المسؤولة الآن عن غالبية الرحلات الفضائية. ولم تُرسل أيٌّ منهما ركاباً إلى ما وراء مدار الأرض المنخفض. لكن لدى شركة بلو أوريجين خطط لنقل زوّار إلى القمر، ويخطط إيلون ماسك، مؤسس شركة «سبيس إكس» ورئيسها التنفيذي، لإنشاء قاعدة قمرية، مع تأكيده على أن هدف الشركة على المدى البعيد هو إنشاء مستوطنة على المريخ. من غير المؤكد ما إذا كانت هذه الشركات التجارية ستستثمر نفس القدر من الطاقة والموارد في علم الأحياء البشري كما فعلت في الهندسة.بينما يستعد رواد فضاء أرتميس للتحليق حول القمر، يجدر بنا أن نتذكر أن البشرية على وشك مغادرة الأرض والعيش بين النجوم. ومع ذلك، يجب أن ندرك أن لأجسادنا وعقولنا، على الرغم من مرونتها، حدوداً. إذا اخترنا الشروع في مهمات فضائية أعمق، فعلينا أن ندرك أن المخاطر ستكون أكبر بكثير من أي شيء واجهه الإنسان من قبل. وإذا كنّا، مثل رواد فضاء أرتميس، نعتزم العودة إلى الأرض، فعلينا أن نتعامل مع بيولوجيتنا بنفس القدر من العناية التي نوليها لصواريخنا.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.