القاهرة _ أميرة المحمدي :
قبل دقائق قليلة من أذان المغرب، تتحول شوارع القاهرة إلى مشهد استثنائي يتكرر كل يوم في رمضان، لكنه لا يفقد أبدًا طابعه الخاص. زحام غير عادي، حركة سريعة، ووجوه تحمل مزيجًا من التوتر والترقب، في سباق واضح مع الزمن للوصول إلى لحظة الإفطار.
في تلك اللحظات، يبدو وكأن المدينة بأكملها تتحرك بإيقاع واحد. السيارات تتكدس في الشوارع الرئيسية، وأصوات أبواقها تختلط بنداءات الباعة وروائح الطعام التي تملأ الأجواء. الجميع لديه هدف واحد: الوصول إلى المنزل قبل الأذان، أو على الأقل العثور على مكان مناسب لكسر الصيام.
هذا السباق اليومي لا يقتصر على الطرق فقط، بل يمتد إلى الأرصفة والمحال. يقف البعض أمام المطاعم في انتظار وجبات سريعة، بينما يسرع آخرون لشراء ما تبقى من احتياجات الإفطار في اللحظات الأخيرة. وفي المقابل، تظهر مشاهد إنسانية مميزة، حيث تنتشر موائد الرحمن على الطرق، ويحرص الكثيرون على تقديم التمر والمياه للمارة، في صورة تعكس روح التكافل التي تميز الشهر الكريم.
ومع اقتراب الأذان، تصل ذروة التوتر، قبل أن تنقلب الأجواء فجأة إلى سكون شبه تام. تتوقف الحركة تدريجيًا، وتخلو الشوارع بشكل لافت، وكأن المدينة أخذت نفسًا عميقًا بعد سباق طويل. داخل السيارات، يبدأ البعض إفطاره على تمرات ومياه، بينما ينجح آخرون في الوصول إلى منازلهم في اللحظة الأخيرة.
ورغم ما يحمله هذا المشهد من ضغط يومي، إلا أنه أصبح جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة رمضان في مصر. فهو ليس مجرد زحام أو استعجال، بل طقس يومي يحمل في تفاصيله مشاعر متباينة، من التوتر إلى الراحة، ومن السرعة إلى السكون، في لوحة تتكرر كل يوم، لكنها تظل دائمًا مميزة.
ومع انطلاق الأذان، تتحول الطرق إلى مساحة من العطاء الجماعي؛ سائقون يفطرون داخل سياراتهم، وأيدٍ تمتد من الخارج لتمنحهم أول رشفة ماء أو أول تمرة، في لحظة تختصر معنى التكافل الحقيقي. البعض يكتفي بتمرة وماء، وآخرون يحصلون على وجبات بسيطة أو عصائر، لكن القيمة الحقيقية ليست فيما يُقدَّم، بل في روح المشاركة التي تحيط بالمشهد كله.
اللافت أن هذه المبادرات تأتي في الغالب من شباب عاديين، قرروا أن يكون لهم دور في هذا الشهر، ولو بشكل بسيط. يجمعون المال فيما بينهم، أو يساهم كل منهم بما يستطيع، ثم يقفون قبل المغرب بوقت كافٍ لتنظيم التوزيع، في صورة تعكس وعيًا إنسانيًا عميقًا وإحساسًا بالمسؤولية تجاه الآخرين.
وفي كل مرة يتكرر هذا المشهد، تتجدد رسالة غير مكتوبة: أن المصريين، رغم ضغوط الحياة، ما زالوا قادرين على صناعة الجمال في أبسط التفاصيل. فبين زحام السيارات وضجيج الشوارع، يولد كل يوم مشهد صغير من الرحمة، يؤكد أن روح رمضان لا تعيش فقط في المساجد، بل أيضًا على الطرق، وبين الناس.



Comments are closed.