dhl
dhl

حوار خاص| د.طارق درويش: كيف تختار شريك حياتك بذكاء؟

القاهرة – مي عبده:

في زمنٍ تلاطمت فيه أمواج الضغوط النفسية، وصار “القلق” ضيفاً ثقيلاً يطرق أبواب البيوت دون استئذان، برزت الحاجة ماسة إلى عقولٍ تجمع بين الرصانة الأكاديمية والخبرة الإنسانية العميقة.

ومن بين هذه القامات التي استطاعت أن تحول الألم الشخصي إلى أملٍ لآلاف الحائرين، يبرز اسم الدكتور طارق درويش؛ استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري، الذي لم يكتفِ بنيل أرفع الدرجات العلمية، بل صاغ من تجاربه الذاتية “روشتة” للصلابة النفسية.

تبدأ حكاية الدكتور طارق من رحم التحديات، حيث كانت رحلة التعليم بالنسبة له معركة إرادة، خاض غمارها بإيمانٍ مطلق بأن العقبات ليست إلا محطات مؤقتة في طريق الوصول.

من مدرجات جامعة عين شمس العريقة، حيث وضع لبناته الأولى في علم النفس، انطلق ليحلق في سماء الأكاديميات الدولية، منتزعاً درجة الدكتوراه من الجامعة الأمريكية، ثم أتبعها بدكتوراه أخرى من الجامعة البريطانية، ليتوج مسيرته بأكثر من عشرين دبلومة متخصصة في العلاقات النفسية، وتحليل الشخصية، وفنون العلاج السلوكي.

ولأن رسالته لم تكن محبوسة داخل جدران العيادات، فقد امتد أثره ليصبح رقماً صعباً في عالم التدريب والإدارة؛ فهو مؤسس أكاديمية “كونست” للاستشارات والتدريب، ومدير البورد البريطاني في مصر، ومنسق العلاقات العامة للجمعية الأمريكية للصحة النفسية.

وبصمته لم تتوقف عند هذا الحد، بل صار صوتاً مسموعاً عبر مقالاته الأسبوعية في كبرى الصحف المصرية، وإطلالاته التلفزيونية المتكررة التي يعالج فيها قضايا الأسرة، ومخاطر السوشيال ميديا، وأزمات الجيل الجديد.

في هذا الحوار، لا نتحدث فقط مع أكاديمي متخصص، بل مع إنسان آمن بأن “الصحة النفسية” هي المحرك الأول لكل نجاح، وأن استقرار البيت هو النواة الأولى لمجتمع سوي. نغوص معه في تفاصيل رحلة الكفاح، ونسأله عن معايير الاختيار الصحيح لشريك الحياة، وكيف يمكن للشباب أن يحصنوا أنفسهم ضد “أمواج” التواصل الاجتماعي العاتية. حوارٌ يمزج بين العلم والواقع، ويقدم إجابات شافية لمن يبحث عن السكينة في عالم مضطرب

• بدايةً، نود تقديم بطاقة تعريفية للقارئ.. من هو الدكتور طارق درويش الإنسان، وكيف كانت الرحلة من دراستك في الجامعة البريطانية وصولاً لكونك استشارياً في الصحة النفسية؟

مسيرتي وحياتي بدأت بإصرار كبير على أن أصل إلى هذه المكانة التي أنا عليها الآن. ممرت بمحطات كثيرة جداً كانت صعبة في حياتي، بدايةً من صغري واستمراري في التعليم؛ حيث اكتسبت خبرات واسعة وعملت في مجالات عدة لأتمكن من الوصول لهذا المسار المهني.

بالتأكيد حياتي لم تكن سهلة، بل كانت مليئة بالعقبات والأزمات التي قد يواجهها أي شاب يمارس حياته الطبيعية، ممرت بصدمات ومشاكل نفسية وأسرية، لكن كان لدي إصرار لا يلين للوصول لهدفي. حددت أهدافي وكان لدي إيمان وشغف كبيرين رغم كل ما رأيته من صعوبات، كنت أمتلك رؤية مختلفة للمستقبل، وأوقن بأن كل أزمة تمر هي مجرد حالة مؤقتة ستزول مع الوقت، بينما يظل هدفي ثابتاً.

تعلمت واجتهدت في كافة المراحل الدراسية وصولاً إلى كلية الآداب قسم علم نفس بجامعة عين شمس، وبعدها بدأت ممارسة عملي وحصلت على برامج تدريبية مكثفة من الجامعة الأمريكية والجامعة البريطانية، حتى نلت درجة الدكتوراه في علم النفس من الجامعة الأمريكية، وأنجزت أكثر من 20 دبلومة في التخصصات النفسية وتحليل الشخصية والعلاجات النفسية.

الحمد لله، وبفضل عونه ثم دعم الأصدقاء والأهل، وصلت لما أنا عليه الآن. لقد واجهت إحباطات من البعض ممن قالوا لي “لن تستطيع فعل شيء”، لكن هدفي كان واضحاً. كنت أعمل لأصرف على تعليمي لأنه كان مكلفاً للغاية وبذلت فيه مجهوداً مضاعفاً.

لم أتوقف عند هذا الحد، بل كنت أدون أهدافي دائماً خطوة بخطوة حتى حصلت على دكتوراه أخرى من الجامعة البريطانية، واجتهدت حتى افتتحت أكاديمية “كونست” للاستشارات والتدريب.

أنا شخصية طموحة جداً ولا أقبل بالوقوف عند حد معين، لذا قمت بتدريب آلاف الطلاب من جامعات عين شمس والقاهرة وحلوان، وخرجت دفعات في مجالات الإرشاد النفسي والأسري. ثم طورت الأكاديمية وانضممت للعمل الصحفي كرئيس لقسم علم النفس في جرائد مثل “أحداث وطن” و”القاهرة”، وبدأت كتابة مقالات دورية متخصصة.

• في ظل الانتشار الواسع لمصطلح “لايف كوتش” ومقدمي المحتوى النفسي، ما هي المعايير التي يجب أن يبحث عنها الشخص لضمان تلقي دعم نفسي أكاديمي وموثوق؟

المعايير التي يجب أن يبحث عنها أي شخص يرغب في الحصول على دعم نفسي أو أن يصبح “لايف كوتش” هي البحث عن “أهل الثقة”. في ظل ما نراه حالياً من كثرة الأدعياء الذين يزعمون أنهم دكاترة أو مدربون وهم غير موثقين ولا يملكون خبرة مهنية أو مرونة في التعامل، يجب أن تكون حذراً.

أولاً: ابحث عن شخص قريب من الناس، ذو تأثير حقيقي، وأن يكون متعلماً ومثقفاً ولديه وعي، بحيث يكون العلم قد أثر في شخصيته هو أولاً قبل أن يؤثر فيك أنت.

ثانياً: ابحث عن المؤسسات التعليمية المعتمدة والموثقة عالمياً؛ فلا تكتفِ بمن يقول “أنا معتمد” بل ابحث عن الحقيقة، لأن هناك الكثيرين غير كفء. انظر إلى أخلاق الشخص وتأثيره وبصمته مع نفسه ومع من حوله؛ فالإنسان الذي له بصمة إيجابية هو فقط من يستطيع مساعدتك لتؤثر في نفسك. لا تذهب لأي شخص لمجرد المسمى، بل قم بإجراء بحثك الخاص واسأل جيداً لتصل إلى محتوى علمي رصين ومكان تعليمي يليق بك.

• بصفتك استشارياً للإرشاد الأسري، ما هي أكثر العقبات التي تواجه الأسر المصرية في الوقت الحالي وتؤثر بشكل مباشر على استقرار “البيت”؟

أكثر العقبات التي تواجه الأسرة المصرية حالياً هي “الاختلاف وعدم الفهم”.

الإحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تشير إلى وقوع حالة طلاق كل دقيقتين أو أقل، بمعدل يتجاوز 200 ألف حالة سنوياً، وهذا يعكس خللاً كبيراً ليس فقط في سوء الاختيار، بل وفي سوء التربية وتأثير التكنولوجيا السلبي.

قديماً، كنا نختار الشريك بناءً على أصله وبيته وأخلاقه، أما الآن فالاختيارات تتم دون وعي كافٍ.

الفراغ العاطفي وغياب الاهتمام والتربية أدى لأزمات كبيرة.

الأهل الآن لا يستمعون لأبنائهم، والبعض يسعى للتخلص من المسؤولية بتزويج الأبناء دون تثقيفهم، فيصطدم الشباب بواقع مرير ويصلون لطريق مسدود. عدم الاحتواء وعدم الأمان يؤديان حتماً للتفكك الأسري؛ فأصبحت كلمة “طلقني” هي البداية والنهاية عند البعض. نحن بحاجة لفهم بعضنا أولاً، وأن نتحلى بالمرونة بدلاً من جعل الطلاق هو الحل الأول. الوعي، الأمانة، الدين، والأخلاق هم الركائز التي ستساعدنا على استقرار البيوت المصرية وحمايتها من التفكك.

• الصحة النفسية لم تعد رفاهية، لكن البعض لا يزال يخشى “وصمة” الذهاب لمختص.. كيف يمكننا تغيير هذه الثقافة المجتمعية بشكل جذري؟

معظم الناس حين يشعرون بألم جسدي يهرعون للطبيب البشري ويشرحون معاناتهم بكل بساطة، لكنهم يتجاهلون أن المرض النفسي أشد وطأة بمليون مرة من التعب العضوي. الكثيرون يهملون صحتهم النفسية خوفاً من “وصمة العار” المرتبطة بالذهاب لطبيب نفسي، وهذا مفهوم خاطئ تماماً.

هناك حوالي 970 مليون شخص حول العالم يعانون من اضطرابات نفسية، والمرض النفسي ليس عيباً ولا حراماً. لقد ذكر القرآن الكريم “ولا تيأسوا” و”ولا تقنطوا”، وهذا يؤكد أن الحزن واليأس والاكتئاب مشاعر تصيب البشر لأننا نتأثر بما حولنا. الإنسان الذي يسعى للاستقرار النفسي هو إنسان سوي يبحث عن علاج نفسه أياً كان نوع المرض.

المرض النفسي مثل المرض الجسدي تماماً؛ إذا شعرت بالحزن أو الاكتئاب (Depression) أو الصدمات، اذهب للمختص ليعالجك. لا تنظر لنظرة المجتمع التي قد لا تفقه شيئاً في هذا العلم، بل انظر لنفسك وسلامك الداخلي، لأن إرضاء الناس غاية لا تدرك ولا ينبغي أن تكون على حساب صحتك.

• من خلال متابعتك، كيف أثرت وسائل التواصل الاجتماعي على “الصورة الذاتية” للشباب، وكيف يمكنهم حماية أنفسهم من المقارنات المستمرة؟

وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، وقد تأثر المجتمع بها بنسبة هائلة أدت لقلة التربية، قلة الثقة بالنفس، الخيانة، والإدمان السلوكي. الاستخدام السيء وغياب الوعي جعل السوشيال ميديا سبباً رئيسياً في الصدمات النفسية التي نراها حالياً.

لقد أعددنا سابقاً بحثاً بعنوان “أمواج في بحر التواصل”، أوضحنا فيه كيف يغرق الأفراد في هذا العالم الافتراضي الذي سبب اضطرابات في الطباع وتفككاً أسرياً. لحماية أنفسنا، يجب أن نحدد أولوياتنا ونستخدم هذه الإمكانيات بطريقة متوازنة وصحيحة. إذا شعرت أنك مشتت أو أن هذه الوسائل بدأت تضرك، فعليك اللجوء لمتخصص فوراً ليساعدك على التخلص من هذا الغرق؛ فالسوشيال ميديا لها تأثير سلبي عميق إذا لم نتحكم فيها بوعي وثقافة.

• ما هو الفرق بين “الضغوط الطبيعية” التي يمر بها أي إنسان، وبين “الخطر النفسي” الذي يستوجب تدخلاً فورياً من متخصص؟

الضغوط الطبيعية هي المشاكل اليومية أو التراكمات البسيطة التي نمر بها جميعاً، لكن الخطورة تكمن في ترك هذه التراكمات تتزايد دون التعامل معها. التعب النفسي يبدأ بتراكمات، ثم ضغوط، ثم ينتهي بالاكتئاب (Depression) لأننا تجاهلنا البدايات.

لا تتجاهل أي أزمة؛ فإذا شعرت أنك غير قادر على مساعدة نفسك، توجه للمتخصص فوراً. معظم الذين يعانون الآن هم من تركوا “الكوب يمتلئ” حتى فاض بهم الأمر ولم يعد هناك منفذ للتخلص من الألم.

الحل هو التعامل مع المشكلات أولاً بأول، وممارسة “التفريغ” أو التأمل (Meditation)، لأن إهمال المرض النفسي سيوقف حياتك المهنية والاجتماعية ويفقدك الشغف والارتياح.

• في مجال الإرشاد الأسري، هل ترى أن لغة الحوار بين الأجيال (الآباء والأبناء) في تآكل؟ وكيف يمكن إعادة بناء جسور الثقة؟

نعم، لغة الحوار بين الآباء والأبناء تعاني من فجوة كبيرة. من الضروري أن يمتلك الأب المرونة والوعي لاحتواء أبنائه؛ فالابن يحتاج لصديق أكثر من حاجته لسلطة الأب.

للأسف، يعتقد الكثير من الآباء أن العقاب بالضرب أو القمع هو الحل، وهذا يقتل الحوار. انشغال الأب والأم الدائم يجعل الأولاد هم الضحية.

نحن بحاجة لإعادة لغة الحوار والمصادقة والتفاهم، والاهتمام بأولويات الأبناء مهما بدت صغيرة في أعيننا، لأنهم يرون فينا القدوة. غياب الاحتواء والأمان في البيت يدفع الشباب والفتيات للبحث عنهما في الخارج بطرق خاطئة، مما يؤدي لعلاقات سلبية وتعلق مرضي. بادر بالحوار قبل أن يبحث أولادك عن الاهتمام في أماكن تضرهم وتؤثر على صحتهم النفسية.

• دائمًا ما يُقال إن “المعالج النفسي يحتاج لمن يسمعه أيضًا”.. كيف يحافظ الدكتور طارق على توازنه النفسي بعيداً عن ضغوط المشكلات التي يتعامل معها يومياً؟

بالتأكيد، كل دكتور يحتاج لدكتور؛ فنحن بشر ونتأثر بما نسمعه ونراه. الحفاظ على التوازن يأتي من عدم تحميل النفس فوق طاقتها، والعيش في “الحاضر” فقط؛ فلا أعيش في الماضي ولا أغرق في المستقبل. أسأل نفسي دائماً: “ما هو المطلوب مني اليوم؟”

وأنفذه، لأن التراكم الفكري في الماضي أو القلق من المستقبل يستنزف الطاقة ويمنعني من أداء عملي بإيجابية. نظرتي للحياة تعتمد على أن الألم والمشاكل هي حالات مؤقتة وليست دائمة.

أعمل بما عليّ، وأسعى وأتوكل على الله، وأحاول الفصل التام عن العمل بمجرد انتهائه للتخلص من أي شحنات سلبية قد تؤثر على استقراري النفسي.

• ما هي النصيحة الذهبية التي يقدمها الدكتور طارق درويش لكل مقبل على الزواج لتفادي الصدامات النفسية في السنوات الأولى؟

النصيحة الذهبية هي: “اجعل قرارك نابعاً من نفسك”. الزواج مشروع يجب أن يُبنى على أسس صحيحة؛ فإذا كان صحيحاً فمرحباً به، وإذا كان خاطئاً فالبعد عنه أولى.

لا تسمح لأحد بفرض تجربته عليك، فالمثل الذي يقول “اسأل مجرب ولا تسأل طبيب” خاطئ في هذا السياق؛ لأننا مختلفون. ادرس شخصية شريكك جيداً، وركز على السلوك والدين والأخلاق والنجاح المهني. لا تستعجل حتى لو طالت فترة الخطوبة لسنوات، الأهم هو الاطمئنان.

لا تتزوج هرباً من مشكلة أو بحثاً عن ونيس فقط وأنت غير مستعد، فقد تجد نفسك في “سجن الجواز” بسبب الاختيار الخاطئ.

تجاهل ضغوط المجتمع وكلمات مثل “قطر الجواز فاتك”، لأنك أنت من ستواجه المشكلات وحدك في النهاية، لذا كن واعياً في اختيارك وقرارك.

• ختاماً، ما هي الرسالة التي يود الدكتور طارق توجيهها لكل شخص يشعر الآن بأنه “ليس بخير” ولكنه يتردد في طلب المساعدة؟

رسالتي لكل من يعاني: ابدأ بعمل توازن مع نفسك، وتيقن أن لا مشكلة تدوم ولا تعب يستمر. كلها لحظات مؤقتة وستمر. كن شخصاً اجتماعياً وواعياً، واهتم بالركن الروحاني في حياتك، وثقف نفسك؛ فكلما زاد علم الإنسان قلت مشاكله النفسية.

لكي تمتلك صلابة ومناعة نفسية، عليك أن تتعلم وتسأل وتسعى، وصدقني “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى”.

لا تندم على ما فات، وابدأ من الصفر إن لزم الأمر؛ فالحياة لا تقف عند محطة واحدة إلا بفقدانها تماماً. نحن خُلقنا لنترك بصمة ونكون مرتاحين ونساعد غيرنا وأنفسنا. أحط نفسك بالناس الإيجابيين الذين يدعمونك وقت تعبك، ولا تقارن نفسك بأحد فلكل منا رزقه وإمكانياته. تذكر دائماً “قوة الآن” (The Power of Now)؛ استمتع بلحظتك الحالية وفكر في سعيك الآن، وستجد السكينة والرضا بإذن الله.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.