مهما يكن ما ستفعله ميته فريدريكسن لاحقاً، فقد تغيّرت الدنمارك جذرياً. ربما لم ينظر معظم الأميركيين إلى تهديدات الرئيس ترامب بضم جرينلاند، الإقليم التابع للدنمارك، على أنها خطيرة للغاية. لكن خلال بضعة أيام عصيبة في يناير الماضي، شعر العديد من الدنماركيين وسكان جرينلاند والأوروبيين بذلك.تصدّت رئيسة الوزراء الدنماركية «ميته فريدريكسن» مراراً وبحذر لتلك التصريحات. لا، جرينلاند ليست للبيع. لا، لا يمكن للولايات المتحدة الأميركية ضم جزء من دولة أخرى. لا، لن تخضع أوروبا للابتزاز. وبدا أنها خرجت منتصرة: فقد تراجع ترامب نوعاً ما. وتحسّنت شعبية فريدريكسن، التي كانت في تراجع، داخل البلاد وارتفعت بشكل ملحوظ في أوروبا – حتى إنها جاءت في المرتبة الثانية في تصنيف لمجلة بوليتيكو لأكثر الشخصيات تأثيراً في أوروبا بعد ترامب. ودعت فريدريكسن إلى انتخابات مبكرة في 24 مارس.وماذا كانت النتيجة؟ تشير العديد من استطلاعات الرأي إلى أن حزبها، الحزب الاشتراكي الديمقراطي، يتجه نحو أسوأ نتيجة له منذ نحو قرن – رغم أنه في النظام السياسي متعدد الأحزاب في الدنمارك، يُتوقع أن تتمكن فريدريكسن من تشكيل ائتلاف حكومي والاستمرار في منصبها لولاية ثالثة. منذ توليها المنصب في 2019، أحدثت فريدريكسن تحولاً جذرياً في الدنمارك، حيث زادت الإنفاق العسكري بشكل كبير، وعززت مكانة البلاد كقائدة في المنطقة. فلماذا لا يبدو الناخبون الدنماركيون مستعدين لمنح فوز ساحق للمرأة التي تصدت لترامب؟حتى وقت قريب، كانت الدنمارك حليفاً وثيقاً للولايات المتحدة، وشريكاً عسكرياً عبر الأطلسي، وقدّمت دعماً كبيراً في العمليات العسكرية في العراق وأفغانستان. الدنمارك عضو في الاتحاد الأوروبي، لكنها لطالما كانت من الدول المتشككة في الاتحاد. كان يُقال على سبيل المزاح إنه لو خُيّر الدنماركيون بين الانضمام إلى منطقة اليورو أو أن يصبحوا ولاية أميركية صغيرة، فسيختارون أميركا بلا تردد.لقد حاولنا تجاهل موقعنا الجغرافي منذ عام 1864، حين أُجبرت الدنمارك على التنازل عن مساحات واسعة من أراضيها لبروسيا. وبعد الحرب العالمية الثانية، رحبنا بالحماية الأميركية بحفاوة بالغة. وكانت الدنمارك من بين الدول الاثنتي عشرة المؤسسة لحلف الناتو، وانضمت إلى السوق الأوروبية المشتركة -سلف الاتحاد الأوروبي- في سبعينيات القرن الماضي مع العديد من التحفظات المعقدة. وظل الإنفاق العسكري يتراجع لعقود، بينما نما الناتج المحلي الإجمالي، وأصبحت البلاد في السنوات الأخيرة معروفة بأسلوب الحياة المريح. باختصار، كان السلام الأميركي مفيداً جداً لنا.إذا كانت الحروب هي ما يجعل الأميركيين يدركون الجغرافيا، فقد ذكّرت أيضاً الدنماركيين بموقعهم على الخريطة. فقد كشفت الحرب الروسية الأوكرانية، وكذلك تصريحات ترامب المتكررة حول ضرورة السيطرة على جرينلاند، مدى الهشاشة التي سمحنا لأنفسنا بالوصول إليها. فالدنمارك دولة صغيرة وهي نتوء شمالي لألمانيا، ومضيق طبيعي عند مدخل بحر البلطيق. ومجرد ملاحظة أن المسافة بين بورنهولم، وهي جزيرة دنماركية صغيرة تقع جنوب شرق كوبنهاجن وتحظى بشعبية سياحية، وجيب كالينينجراد الروسي، لا تتجاوز 200 ميل، لهي أمر يدعو البعض للدهشة. في أقل من سبع سنوات كرئيسة للوزراء، أشرفت السيدة فريدريكسن على عملية إعادة تسليح لم تكن مجرد عملية شراء عسكري، بل كانت تحولاً سياسياً وثقافياً. تسارعت هذه العملية بعد حرب روسيا وأوكرانيا عام 2022، ثم تسارعت مجدداً مع بداية ولاية ترامب الثانية. وقد رفعت حكومتها الإنفاق الدفاعي بشكل كبير عام 2025، ووسّعت نطاق التجنيد الإجباري ليشمل النساء، ومددت مدة الخدمة من أربعة إلى 11 شهراً.وقد حظيت العديد من إصلاحات فريدريكسن بدعم شعبي واسع، لكن بحلول أواخر العام الماضي، تراجعت شعبية حزبها إلى أحد أدنى مستوياتها منذ سنوات، بسبب استياء الناخبين من تكاليف المعيشة وقرار غير شعبي بإلغاء عطلة رسمية لتمويل مزيد من الإنفاق الدفاعي.وقد أتاح الارتفاع في شعبيتها بعد مواجهتها مع ترامب فرصة، فسارعت إلى استغلالها. لكن لا ترامب، ولا العلاقة المعقدة بين الدنمارك وغرينلاند، ولا العالم المتزايد الخطورة، كانت القضايا التي يريد الناخبون التركيز عليها. بل عادوا مراراً إلى قضايا مثل مستقبل الزراعة، والمناخ، والتعليم، وأسعار الوقود، وفرض الضرائب على الأثرياء. لطالما بدت فريدريكسن وكأنها تقود حزباً يحمل رسالة متعبة حول توسيع دولة الرفاه، داخل ائتلاف حكومي يعاني من خلافات داخلية. وربما تكمن المشكلة في أن الدنمارك شهدت تحولاً كبيراً في توجهاتها لدرجة أن الجميع تقريباً بات مقتنعاً بضرورة الاستعداد للدفاع عن النفس، ما يفتح الباب للتساؤل عما يمثله السياسيون أيضاً.من المرجح أن تحظى السيدة فريدريكسن بولاية ثالثة، وفرصة لإكمال ما بدأته. بعد ذلك، يتوقع الكثيرون أن تنتقل إلى منصب دبلوماسي في أوروبا، أو ربما إلى أعلى منصب في حلف «الناتو». ومهما يكن ما ستفعله لاحقاً، فقد شهدت الدنمارك تغيراً جذرياً، وأصبحت أكثر استعداداً لعالم يتخبط من أزمة إلى أخرى


