dhl
dhl

حوار خاص|..”قرية ستو”.. حين تتحول وجبة الطعام إلى رحلة في ذاكرة الزمن الجميل

القاهرة – مصطفى المصري:

في خضم عالم سريع الإيقاع، حيث أصبحت الوجبة تُقاس بالوقت لا بالطعم، وحيث تسيطر المطابخ العالمية على اختيارات الكثيرين، تظهر تجارب استثنائية تعيد ترتيب المشهد من جديد.

“قرية ستو” ليست مجرد مطعم يقدم أطباقًا مصرية تقليدية، بل مشروع يحمل رؤية أعمق: استعادة روح المطبخ المصري، ليس فقط كمذاق، بل كحالة شعورية متكاملة.

هنا، لا تدخل لتأكل فقط، بل لتسترجع جزءًا من ذاكرتك… رائحة السمن البلدي، صوت الملعقة في الطاجن، جلسة الطبلية، ولمّة العائلة.

تفاصيل المكان، من الأفران البلدي إلى أبراج الحمام، لا تُصنع للديكور بقدر ما تُصنع لإحياء تجربة كاملة كادت أن تختفي من حياتنا اليومية.“قرية ستو” تحاول أن تجيب عن سؤال بسيط لكنه عميق: لماذا فقدنا ارتباطنا بأكلنا؟

ولماذا أصبحنا نبحث عن هويتنا الغذائية في الخارج بينما نمتلك واحدة من أغنى المطابخ في العالم؟ من هنا تبدأ الحكاية… حكاية مشروع قرر أن يعيد الاعتبار لما نسيناه، ويقدمه بشكل يجمع بين الأصالة والجودة والتجربة الإنسانية.

كيف وُلدت فكرة “قرية ستو” من البداية؟

الفكرة لم تكن مجرد مشروع استثماري تقليدي، بل كانت نتيجة رحلة طويلة داخل المجال، وتجارب متعددة مع أنواع مختلفة من المطاعم. في مرحلة معينة، بدأ يتكون لديّ إحساس واضح بأن هناك فجوة كبيرة في السوق، ليس في عدد المطاعم، بل في الهوية. كنا نرى انتشارًا واسعًا للمطابخ العالمية، من التركي إلى الإيطالي إلى غيرها، بينما المطبخ المصري، رغم ثرائه، لم يكن حاضرًا بالشكل الذي يليق به.

الأمر لم يكن رفضًا للانفتاح، بل تساؤل منطقي: لماذا لا نُعيد تقديم ما نملكه أصلًا ولكن بشكل احترافي؟ لماذا لا نُخرج الأكل المصري من إطار “الأكل البيتي العادي” إلى تجربة متكاملة يمكن أن تنافس عالميًا؟ من هنا بدأت الفكرة تتبلور، ليس كمطعم فقط، بل كمشروع يحمل رسالة.

ما الذي جعلك تراهن على المطبخ المصري تحديدًا في ظل هذا الزخم من المطابخ العالمية؟

لأن المطبخ المصري في الحقيقة “مظلوم”. بعد سنوات من التجربة والسفر والعمل داخل وخارج مصر، اكتشفت أن الأكل المصري عندما يُقدم خارج البلاد يُقابل بإعجاب شديد، بل أحيانًا يُعتبر تجربة مميزة جدًا. لكن داخل مصر، هناك نوع من التعود جعلنا لا نراه بنفس القيمة.المشكلة أن الناس أصبحت تقارن الأكل المصري بتكلفته المنزلية، وليس بقيمته كمطعم وتجربة. بينما في المطابخ الأخرى، لا يحدث هذا. هذا التناقض هو ما دفعني للإصرار أكثر على تقديم المطبخ المصري بشكل مختلف، يعيد له مكانته الطبيعية.

هل كان انتشار المطاعم الأجنبية أحد الدوافع الرئيسية لتنفيذ المشروع؟

بلا شك. نحن مررنا بمرحلة أصبح فيها الإقبال على المطابخ الأجنبية كبير جدًا، من التركي إلى السوري إلى السوشي وغيره.

وهذا طبيعي لأن الإنسان بطبعه يحب التجربة والتجديد. لكن المشكلة أن هذا جاء على حساب الأكل المصري.أصبحنا نبتعد تدريجيًا عن أكلاتنا الأساسية، بل وهناك أكلات كاملة بدأت تختفي من البيوت.

فكان من الضروري أن يكون هناك مشروع يعيد التوازن، ليس بمحاربة المطابخ الأخرى، ولكن بإعادة تقديم المطبخ المصري بشكل يجعله منافسًا وقادرًا على جذب الناس من جديد.

هل لاحظت بالفعل اختفاء بعض الأكلات المصرية من البيوت؟

نعم، وبشكل واضح جدًا. هناك أكلات كانت أساسية في كل بيت، مثل الكشك، والخبيزة، وبعض أنواع السبانخ والقلقاس، أصبحت اليوم شبه غائبة. حتى الأكلات التي ما زالت موجودة، لم تعد تُحضّر بنفس الطريقة القديمة التي تعتمد على “التسبيكة” والنَفَس الطويل.

السبب يعود إلى طبيعة الحياة السريعة، وانشغال الناس، خاصة ربات البيوت، بالإضافة إلى الاتجاه نحو الأكلات السريعة. لذلك، أصبح من المهم أن نجد مكانًا يعيد تقديم هذه الأكلات بنفس روحها الأصلية، حتى لا تختفي تمامًا.

كيف تعاملتم مع فكرة أن البعض يرى الأكل البلدي غير صحي؟

هذا اعتقاد يحتاج إلى إعادة نظر. الأكل البلدي في الأصل يعتمد على مكونات طبيعية وطازجة، وكان يُحضّر بطرق تقليدية حافظت على صحة الناس لفترات طويلة. الفكرة ليست في الأكلة نفسها، بل في طريقة التحضير وجودة المكونات.

نحن في “قرية ستو” نحرص على استخدام مكونات فريش قدر الإمكان، ونواكب المواسم، ونحاول الحفاظ على الطريقة الأصلية في الطهي. الهدف هو تقديم أكل صحي بطبيعته، وليس فقط “تقليدي”.

التجربة في “قرية ستو” تبدو مختلفة عن مجرد مطعم… كيف تم تصميم هذا المفهوم؟من البداية، لم نكن نريد إنشاء مطعم فقط، بل تجربة متكاملة. الفكرة كانت أن يشعر الزائر بأنه خرج من المدينة تمامًا ودخل إلى بيئة ريفية حقيقية.

لذلك، تم الاهتمام بكل التفاصيل: أبراج حمام حقيقية، أفران بلدي، مساحات مفتوحة، وحتى طريقة تقديم الأكل.الزائر لا يأتي ليأكل فقط، بل ليقضي يومًا كاملًا، يستمتع بالأجواء، ويعيش تجربة مختلفة. وهذا ما يميز “قرية ستو” عن غيرها.

ما أصعب التحديات التي واجهتك في تنفيذ المشروع؟

التحدي الأكبر كان في التنفيذ، خاصة اختيار الموقع وتجهيزه. تحويل مساحة صحراوية إلى بيئة ريفية متكاملة لم يكن سهلًا على الإطلاق، سواء من حيث التكلفة أو الجهد. كان هناك أيضًا تحدٍ نفسي، وهو الخوف من عدم تقبل الجمهور للفكرة.لكن الإيمان بالفكرة كان أقوى، ومع الوقت بدأنا نرى ردود فعل إيجابية أكدت أن هذا الاتجاه كان صحيحًا.

كيف كانت ردود فعل الزبائن عند زيارتهم للمكان؟

ردود الفعل كانت مميزة جدًا، لأنها لم تركز فقط على جودة الأكل، بل على الإحساس العام. كثير من الزبائن قالوا إنهم شعروا أنهم عادوا لزمن مختلف، وأن التجربة ذكّرتهم بأيام العائلة والبيت القديم.البعض قال صراحة: “أنا مش بس باكل، أنا برجع لذكريات”.وهذا بالنسبة لنا أهم من أي تقييم تقليدي للطعام.

هل واجهتم نقدًا أو ملاحظات سلبية؟ وكيف تعاملتم معها؟

بالتأكيد، لا يوجد مشروع بدون ملاحظات. لكننا كنا حريصين على استقبالها بصدر رحب، حتى في البث المباشر. لم نحذف التعليقات، بل تعاملنا معها بشفافية، لأنها تساعدنا على التطوير.المهم أن يكون النقد بنّاء، ونحن نراه فرصة لتحسين التجربة باستمرار.

كيف ترى اختلاف سلوك العميل المصري عن غيره داخل المطعم؟

العميل المصري بطبيعته يميل إلى الحسابات الدقيقة، خاصة في الأكل المصري، لأنه يعرف مكوناته. بينما في المطابخ الأخرى، لا يفكر بنفس الطريقة. هذا يجعل التحدي أكبر، لأنك تحتاج إلى إقناعه بقيمة التجربة، وليس فقط تكلفة الأكلة.لكن مع الوقت، بدأ هذا المفهوم يتغير، خاصة عندما يشعر الزبون بالتجربة الكاملة وليس مجرد وجبة.

هل كان هناك إقبال من الزوار العرب أو الأجانب؟

نعم، وكان لافتًا جدًا. زوار من دول الخليج أبدوا إعجابًا كبيرًا بالتجربة، وقاموا بنشرها على نطاق واسع. هذا ساهم في انتشار المكان بشكل غير مباشر، وجعل “قرية ستو” وجهة سياحية أيضًا، وليس فقط مطعمًا محليًا.

ما الذي يميز “قرية ستو” عن أي مطعم شرقي آخر؟

الفرق الحقيقي هو في الفلسفة. نحن لا نقدم أكلًا فقط، بل نحاول إعادة إحياء تجربة كاملة. نهتم بالتفاصيل، بالمكونات، بطريقة الطهي، وبالأجواء المحيطة.

كل عنصر في المكان له دور في خلق هذه التجربة، من الطعام إلى التصميم إلى الخدمة.

كيف ترى مستقبل المطبخ المصري في ظل هذه المنافسة؟

أنا متفائل جدًا. المطبخ المصري غني وقادر على المنافسة، لكنه يحتاج فقط إلى إعادة تقديم بشكل حديث دون فقدان هويته. إذا نجحنا في ذلك، سنرى انتشارًا أكبر له داخل وخارج مصر.

ما طموحك الشخصي للمشروع في الفترة القادمة؟

الطموح هو الاستمرار في تطوير التجربة، والوصول بها إلى مستوى أعلى من الجودة والانتشار. الأهم من التوسع هو الحفاظ على الروح التي بدأ بها المشروع، لأن هذه الروح هي سر النجاح الحقيقي.

—ختاماً

في النهاية، تثبت “قرية ستو” أن النجاح لا يرتبط فقط بالجديد، بل أحيانًا بالعودة إلى الجذور… ولكن بوعي مختلف. بين الطعم والذكريات، وبين البساطة والجودة، تخلق التجربة حالة فريدة تؤكد أن المطبخ المصري لا يزال قادرًا على إبهارنا… فقط إذا قررنا أن نراه من جديد.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.