في الماضي كان الإنجاز الحقيقي الذي يصل إليه كل طالب ثانوية عامة هو الحصول على أعلى مجموع من أجل الانضمام إلى الكلية الأعلى مجموعًا، دون النظر إلى الهدف وراء الانضمام إلى هذا التخصص أو ما إن كانت هناك رغبة أو موهبة يسعى الطالب لتنميتها في تخصص مختلف أقل مجموعًا.
ولكن مع التقدم ومواكبة تقدم العصر وسوق العمل، أصبح الطلاب أكثر وعيًا، وبدأوا في الانفتاح على برامج وتخصصات مختلفة دون النظر إلى مجموعها النهائي، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية الحالية، ما دفع الكثير من بينهم للسعي خلف كل تخصص يخلق لهم فرصة للانضمام إلى سوق العمل بعيدًا عن الجوانب الأكاديمية.
هذه التغييرات في تفضيلات الطلاب وأهدافهم خلال السنوات الأخيرة، باتت واضحة داخل القطاع التعليمي، ما دفع الكثير من الجامعات الخاصة للاتجاه إلى تغيير اتجاهاتها من هدف توفير أماكن للطلاب المتفوقين الحاصلين على مجاميع أقل في الثانوية العامة للانضمام إلى كليات القمة التقليدية مثل الطب والهندسة، وصولًا إلى الاهتمام بتخصصات الفنون والعلوم التطبيقية التي تؤهل الطالب لتنمية مواهبه واكتشاف نفسه وفي نفس الوقت تحقيق هدف الالتحاق بسوق العمل في أسرع وقت.

وبالرغم من أن الانطلاقة كانت في أعرق جامعات مصر وهي كلية الفنون التطبيقية بحلوان، إلا أن زيادة الإقبال دفعت الجامعات الخاصة للاهتمام بتعميق هذا التخصص بإضافة برامج جديدة مبتكرة تواكب التطورات التكنولوجية والثقافية، زادت المنافسة عليها من قبل الطلبة، وكانت من بين هذه الجامعات، جامعة الأهرام الكندية التي اهتمت ببرامج عدة في التصميم والأزياء والفنون كافة، بالإضافة إلى كليات الفنون التطبيقية بجامعات بدر وأكتوبر وصولًا إلى جامعة المدينة CUC.

وتعد “المدينة” هي أحد أحدث هذه الجامعات الخاصة التي اهتمت بالتخصصات التطبيقية والتي تقع تحديدًا بمنطقة هليوبوليس الجديدة، حيث من المقرر أن تفتح أبوابها خلال العام الدراسي الحالي لاستقبال الطلبة للسنة الأولى، في مجموعة من التخصصات أبرزها تخصص الفنون والتصميم.

وفي هذا السياق، أعرب الدكتور محمد إبراهيم، رئيس الجامعة ووزير الآثار الأسبق، عن سعادته بافتتاح هذا التخصص في الجامعة، مؤكدًا أن تركيزهم كان منصبًا هذا العام على افتتاح البرامج المرتبط بسوق العمل بعد إجراء استطلاع رأي على مستوى علمي لمعرفة ما يتطلبه السوق، ومن ثم وقع الاختيار على 3 كليات تشتمل على 4 برامج من بينها كلية الفنون والتصميم.
وأوضح “إبراهيم” إن الجامعة لم تحصل على الموافقة حتى الآن، ولكن هناك عدة زيارات تقوم بها لجان من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الوقت الحالي، متوقعًا الحصول على الموافقة الرسمية خلال أسبوعين بحد أقصى قبل بداية العام الجديد.
وأشار إلى أن المرحلة الأولى من الجامعة ستفتتح خلال الترم الدراسي الأول كليات الهندسة والفنون التطبيقية والاقتصاد والعلوم الإدارية ببرامج وأقسام جديدة وليست منتشرة في الجامعات الأخرى وهو أهم ما يميز هذه الجامعة عن بقية منافسيها، وأضاف أن المرحلة الثانية من المقرر أن يتم افتتاحها في الفصل الدراسي الثاني لتشمل كليات الإعلام والعلاج الطبيعي.
وعن بدء اتجاه الجامعات الخاصة لهذا النوع من البرامج العملية؛ قال إن سوق العمل أصبح متغيرًا، كما أن الأجيال الجديدة أصبحت أكثر استيعابًا لمتطلبات سوق العمل، وأن مفهوم كليات القمة وهم لا أساس له من الصحة ولا يعد المقياس الأساسي للنجاح.

فيما قالت الدكتورة ميسون قطب، عميد كلية الفنون التطبيقية بجامعة حلوان، إن سوق العمل بدأ في فرض نفسه على القطاع الأكاديمي، حيث بدأ السوق والمجتمع في تشجيع ريادة الأعمال مؤخرًا، ودعم المشروعات الصغيرة وهي الفكرة التي يقوم على أساسها 20 تخصص تقدمهم الكلية، من بينهم 14 تخصصًا عاديًا و7 برامج خاصة تركز على الجانب العملي المؤهل بشكل مباشر إلى سوق العمل.
وأكدت “قطب” إن الكلية تركز على توفير المادة العلمية والجانب العملي للطلبة بصورة مركزة، وبالتالي تدعم الكلية فكرة اختيار عدد أقل من الطلبة في كل قسم، موضحة أنه في الوقت الحالي تستوعب كلية الفنون التطبيقية 800 طالب بجامعة حلوان، يتم تقسيمهم على 21 برنامج، حيث يستوعب كل تخصص من بين 30 إلى 50 طلب يتم تقسيمهم على الورش العملية.
وأضافت أن هناك تخصصات جديدة تعمل الكلية على تطويرها في العام الدراسي الجديد، من بينها الصناعة والنسيج والسينماتوغرافيا، بجانب الاهتمام بتوفير تخصص جديد من نوعه هذه السنة وهو الأيكولوجي، ليصبح عبارة عن كل ما يرتبط بالديكور ولكن من وجهة نظر الاستدامة ومراعاة المعايير البيئية وهو ما يحتاجه سوق العمل في المستقبل.

وفي تصريحات للدكتورة ضحى الدمرداش، رئيس قسم الملابس الجاهزة بكلية الفنون التطبيقية بجامعة حلوان، أشارت إلى أن مادة التصميم لها أهمية كبيرة، لأنها مرتبطة بمواكبة الموضة العالمية وكيفية العمل عليها لتتناسب في النهاية مع المجتمع المصري وأذواقه.
وأوضحت “الدمرداش” أن الكلية تمتلك 14 قسم تغطي كل الفنون والصناعات، على سبيل المثال أقسام النحت والنسيج والسينما والديكور والحلي، مؤكدة أن الكلية من أعرق وأقدم الكليات الموجودة في مصر في هذا التخصص، منوهة إلى أن الكلية تمثل كل مجالات الفنون والصناعة المحلية.

ومن جانبه، قال الدكتور أحمد البربري، أستاذ مساعد بقسم الملابس الجاهزة في كلية الفنون التطبيقية بجامعة بنها، إن تخصص المنسوجات أصبح هو المطلب الأول بين فئات كثيرة من الشباب، الأمر الذي جعل العديد من الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية، تهتم بإنشاء هذا التخصص، ويعود السبب في ذلك إلى الوعي الثقافي المحلي الذي نتج عن التأثر بعروض الأزياء العالمية التي غيرت من تفكير وثقافة الشباب.
وأضاف “البربري” أن هناك تطور أصبح ملحوظًا في الآونة الأخيرة بشكل كبير في قطاع الموضة، سواء من الناحية الفكرية أو من ناحية التكنولوجيا المستخدمة الآن في صناعة الموضة الذكية أو بمعنى أصح الأزياء الذكية وهو المشروع الأكثر إقبالًا وربحية، مضيفًا أن الفتيات أصبحن أكثر رغبة في تصميم ملابسهن بأنفسهم لترضي أذواقهن الخاصة، لاسيما في ظل ارتفاع الأسعار والظروف الاقتصادية الراهنة، كما أن تنفيذ مشروع لتصميم الملابس لا يحتاج إلى تكلفة كبيرة.
ولفت إلى أن الوعي نتج عن اهتمام الدولة في الأساس بدعم الصناعات الصغيرة من هذا النوع، والاهتمام بالمشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر لمساعدة الشباب.
ونوه إلى أن الإقبال الكبير على هذا التخصص دفعه للسعي في الوقت الحالي خلف افتتاح تخصص لتصميم الأزياء بإحدى الجامعات العربية.
هذه الإشادة الواسعة من قبل كبار وأبرز الأكاديميين في المجال ترجمته على أرض الواقع بهجة الطلبة وحماسهم بانضمامهم إلى هذا التخصص في مختلف الكليات، حتى وصل الأمر أن التقينا في رحلة البحث بعدد من بينهم حاصلين على مجاميع تمكنهم من الانضمام إلى كليات القمة المعهودة مثل الهندسة والإعلام والاقتصاد والعلوم السياسية، إلا إنهم فضلوا تخصص الفنون التطبيقية من بينهم الطالبة سحر عبد القادر، والتي التحقت في العام الماضي بكلية الفنون التطبيقية بجامعة بدر، وقالت إنها بالرغم من معاناتها لفترة طويلة من أجل إقناع أسرتها للالتحاق بهذه الكلية إلا أنها استطاعت في النهاية أن تثبت لهم أنها قادرة من خلاله على ثقل موهبتها في الديكور والتصميم، لتتمكن بالرغم من أنها لا تزال في السنة الدراسية الثانية أن تفتتح مع أصدقائها في الكلية من تخصصات مختلفة؛ مشروع صغير حقق نجاح كبير في فترة زمنية قصيرة بسبب قدرتهم على تطوير أنفسهم وابتكار كل ما يهتم به الشباب وفقًا للترند والموضة من التيشيرتات المطبوعة وصولًا إلى الديكورات المصغرة للمنازل والمحلات ليدركوا في النهاية أنها تسير في خطوات طموحة لم تكن لتصل إليها إذا كانت قد انضمت إلى الكليات التقليدية مثل الهندسة التي كانت حلمًا لوالديها منذ الصغر.
ومن داخل جامعة حلوان، كان للطالبة مجد عبد القادر، تجربة مختلفة من نوعها مع التخصص، فبالرغم من أن طموحها كان الانضمام إلى كلية الإعلام إلا أن مجموعها لم يسمح لها بهذه الفرصة، فقررت الانضمام إلى كلية الفنون التطبيقية من أجل دراسة تخصص التصوير الذي كانت تسعى إلى تعلمه منذ صغرها، ولكن مع نهاية السنة الدراسية الأولى لها اكتشفت أنها قادرة على الإبداع في تخصص تصميم الملابس بشكل لم تكن تعهده من قبل، ليتغير طموحها وتبدأ في الاتجاه نحو تحقيق حلمها بافتتاح أكبر أتيليه ينافس الأزياء العالمية في المستقبل.
فيما ترى سلوى السيد، إحدى الطالبات المتقدمات للالتحاق بالسنة الأولى لها في كلية الفنون والتصميم بجامعة أكتوبر، إن أكثر ما يميز هذا التخصص ليس فقط مواكبته لسوق العمل، بل لأنه يمنح كل طالب فرصة تعدد التخصصات، وبالتالي يمكنه الحصول على أكثر من وظيفة في أكثر من مجال بسهولة، بالإضافة إلى سهولة قيامه بتنفيذ مشروعه الخاص على أرض الواقع، فيمكن له أن يقوم بالتصميم والتنفيذ والتصوير والاهتمام بالديكور المناسب واستخدام أحدث وسائل التكنولوجيا من أجل تنفيذ هذه الفنون سواء بالنسبة للأزياء أو المنسوجات المنزلية وكل ما هو مرتبط بالمجال وهو أكثر ما جذبها للالتحاق بهذا التخصص بالرغم من حصولها على 96% في الثانوية العامة.
ومن داخل جامعة المدينة أثناء جولة في الجامعة لتفقد أولى مراحل التقديم قبل الافتتاح، التقينا مجموعة من الطلاب يتقدمون بأوراقهم للانضمام إلى كلية الفنون والتصميم، من بينهم طالب يدعى شادي بدر، والذي قال إنه بالرغم من أن الفتيات ينجذبن نحو التخصص أكثر من الشباب، إلا أنه صمم على الالتحاق بالكلية لتنمية موهبته في تصوير الطعام والتي بدأها منذ أن كان عمره 16 عامًا ويرغب في تطويرها واحترافها من خلال دراسة الديكور والتصوير بما يساعده على تطوير مشروعه ويحصل على فرص تدريبية في نفس الوقت في الشركات المهتمة بالتخصص ومن ثم يتمكن من تنفيذ مشروعه الخاص على أرض الواقع بصورة أكثر احترافية وتقدم.
كما التقينا بالطالبة ليال عبدالحميد، والتي فضلت الانضمام إلى كلية الفنون والتصميم من أجل تحقيق حلمها في إنشاء خط تصميم الملابس الخاص بها بالصناعة المحلية، والذي ترضي من خلاله مختلف الأذواق بصورة راقية بدلًا من الأذواق الشعبية – بحسب وصفها – التي تفرضها المحلات والمصانع عليهم خاصة النساء من بينهم، وبالتالي يضطررن للجوء إلى المحلات ذات الماركات العالمية ويدفعون خلالها آلاف الجنيهات للحصول على ما يرضيهن.


