النسبة للمزارع «ثيالا باديان» فإن المطر يشبه الكيمياء في منطقة الساحل بالسنغال. وفجأة، تحولت الكثبان الرملية المتربة إلى خضرة غنية، والسهول القاحلة إلى حقول مليئة بالمحاصيل.لكن الأمطار أصبحت نادرة بشكل متزايد هنا على حافة الصحراء الكبرى. إذ ترتفع درجات الحرارة بنسبة 50% أكثر من المتوسط العالمي وتهدد أغلى مورد للمزارع «باديان» لإطعام نفسه وأطفاله السبعة. ومن الممكن أن يتراجع هطول الأمطار السنوي بنسبة 38% في السنغال في العقود المقبلة، وهو ما يشكل تهديداً لأسلوب حياة المزارعين البالغ عددهم 8 ملايين مزارع في البلاد.إن حالة الطوارئ المناخية المتزايدة تعني بالفعل أن هطول الأمطار أصبح غير قابل للتنبؤ به، وندرة المياه، وفترات الجفاف أطول، لذلك، في مدينة «نديوب» مسقط رأس «باديان»، قام مئات المزارعين الذين يسعون إلى مكافحة هذه التأثيرات بإحياء تقنية زراعية قديمة – مع تطورات القرن الـ 21. يتردد صدى محرك صاخب عبر المناظر الطبيعية القاحلة لقطعة أرض «باديان»، التي تتخللها فقط أشجار السنط القوية وأشجار «الباوباب» ذات الجذوع السميكة، بينما يقوم بالحفر بشكل متكرر في القشرة السميكة للأرض باستخدام بريمة عملاقة تعمل بمحرك، تاركا نمطا من فتحات متباعدة بشكل مثالي. وفي هكتار واحد، سيقوم بحفر 10000 ثقب لبذور «الدخن» (نوع من الحبوب)، وهي تقنية زراعة تعرف باسم «زاي».«زاي» كلمة أصلها من بوركينا فاسو، هي التقنية التقليدية المتمثلة في عمل فجوات صغيرة في الأرض لالتقاط مياه الأمطار وزيادة خصوبة التربة. إنه عمل شاق، ولكنه أسهل بكثير من حفر الثقوب يدوياً باستخدام الفؤوس الصغيرة. لقد أحدث نبات الدخن تأثيراً ملحوظاً على الساحة الدولية. وقد أشادت الأمم المتحدة بعام 2023 باعتباره «عام الدخن» لأن المحصول يمكن أن ينمو في الأراضي القاحلة، ويمكنه تحمل الحرارة الشديدة، ويحتوي على نسبة عالية من البروتين والمغذيات الدقيقة.ومن خلال أسلوبه الحديث في القيام بممارسة قديمة، تمكن باديان من زيادة إنتاجه من الدُخن بنسبة 50%، على الرغم من أن الأبحاث تظهر أن استخدام تقنية «زاي» يمكن أن يضاعف إنتاجه ثلاث مرات. وإذا انتشرت هذه التقنية على نطاق واسع فإنها يمكن أن تساعد المزارعين على أن يصبحوا أكثر قدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ، وزراعة الأغذية من دون مواد كيميائية، وتقليل اعتماد السنغال الكبير على الواردات الغذائية.وهذا ما يطمح إليه «عمر با»، عمدة مدينة نديوب، المشهور في السنغال بالتزامه بالزراعة الإيكولوجية، وهي شكل من أشكال الزراعة المستدامة القائمة على آلاف السنين من المعرفة والابتكارات الأصلية. حتى الآن، استغرقت تقنية «زاي» الكثير من الوقت حتى تحظى بشعبية كبيرة. لكن 500 مزارع في «نديوب»، بدعم من السيد «با»، يعيدون تصور الممارسة القديمة، ويجربون المثاقب الأرضية لجعلها أكثر كفاءة وجاذبية للمزارعين. ستكون أفريقيا هي القارة التي ستشعر بآثار تغير المناخ بقوة أكبر. ويحظى شعبها بأقل قدر من الدعم للتكيف مع تأثيراتها غير المباشرة بما في ذلك الجفاف، والجوع، والنزوح، والصراع.وفي مختلف أنحاء القارة، يتطلع العديد من المسؤولين والعلماء والمواطنين العاديين بالفعل إلى التكيف مع التغيرات المناخية. وفي مواجهة الطقس الذي لا يمكن التنبؤ به بشكل متزايد في «نديوب»، سافر العمدة «با» إلى بوركينا فاسو، وهي دولة غير ساحلية تحصل على أمطار أقل من السنغال، للبحث عن طرق للتغلب على الجفاف المتزايد. وقبل أربع سنوات، جلب معه تقنية «زاي». يقول المستشار الزراعي لرئيس البلدية «مامي كور فاي»: «في السابق، كان المطر يهطل باستمرار لمدة خمسة أشهر، من يونيو إلى نوفمبر. أما الآن فلا يستطيع أي مزارع أن يخبرك متى سيبدأ الموسم. وهذا أمر مقلق للغاية بالنسبة للمزارعين الذين اعتادوا على الزراعة بنفس الطريقة لأجيال عديدة».يشكل الجفاف حلقة مفرغة بالنسبة للمزارعين: فمع انخفاض هطول الأمطار، تنضغط التربة. وعندما يهطل المطر أخيراً، لا تستطيع الأرض المجففة والمكتظة امتصاص الماء وتنجرف الطبقة العليا من التربة السطحية الخصبة. تكافح تقنية «زاي» هذه المشكلة من خلال إنشاء جيوب للمياه، والتأكد من عدم جريانها وأخذ العناصر الغذائية والمعادن معها. يقول السيد فاي: «إن تقنية زاي هو الحل لندرة المياه واستعادة خصوبة تربتنا». بالنسبة للمزارع «باديان»، أصبحت زراعة الأراضي بمثابة مكسب مزدوج. تحت شمس نوفمبر الحارقة، ينحني «باديان» فوق كل حفرة صغيرة ويضع بدقة حفنة من الأسمدة الغنية الداكنة. إنها كمية أقل بكثير مما استخدمه عندما قام بتحويل حقله بالكامل إلى سماد.يذكر أن أسعار الأسمدة ارتفعت بشكل كبير منذ بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، خاصة أن روسيا تعد من أكبر مُصدري الأسمدة في العالم، ومنذ ذلك الحين، أصبح هناك نقص في المعروض من الروث الحيواني، الذي يعد بديلاً للأسمدة الكيماوية. يقول باديان: السبب الذي جعلني أهتم باستخدام تقنية «زاي» هو أنني أردت توفير السماد العضوي. وأوضح: «في السابق، لم يكن عليك أن تدفع ثمن السماد – كان رعاة الماشية يعطونك إياه. الآن من الصعب العثور عليه، وعليك أن تدفع مقابل الحصول عليه».يقول «إيزيدور ضيوف»، وهو مهندس زراعي من منظمة «إندا برونات» السنغالية غير الحكومية، والذي كان يقود تجارب تقنية «زاي» في نديوب: «عندما يسقط المطر على الروث، فإنه يحتفظ بالرطوبة التي يحتاجها النبات». ويضيف: «يمكنك أن تعيش 20 يوماً دون هطول الأمطار، وستظل الحفرة رطبة». وبعد مرور أربعة أشهر، أبدى «باديان» إعجابه بنباتاته الجاهزة للحصاد، والتي تشبه الأصابع. تغذيها التربة الرطبة، وترتفع أوراقها فوق المزارع الذي يبلغ طوله 6 أقدام. ومن خلال تقييم كثافة النبات ووزنه، يتوقع المزارع السنغالي الحصول على محصول جيد.


