dhl
dhl

إسوار براساد يكتب: الرسوم الجمركية..عندما تجعل العالم أكثر فقراً

تسببت الرسوم الجمركية التي يفرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إرباك النظام التجاري العالمي، وكذلك الشركات والمستهلكين.وبغض النظر عن مصير تلك الرسوم، فإن آثارها ستتجاوز بكثير حدود التجارة. فرفع الرسوم الجمركية، أو حتى التهديد الدائم بذلك، يقوّض التجارة ويضعف الروابط الاقتصادية التي تسهم في استقرار العلاقات الدولية. ومن خلال تجاهل القواعد التي تحكم التجارة والتخلي عن اتفاقيات التجارة الحرة، ينهار النظام الدولي القائم على القواعد. وقد يؤدي حرمان الدول منخفضة الدخل، التي تمتلك قوى عاملة شابة ومتنامية، من فرصة تنمية اقتصاداتها عبر التجارة، إلى موجات هجرة واسعة، مما سيضغط على الدول التي تستقبلهم. كما أن التراجع عن مبدأ التجارة الحرة سيضر بالمستهلكين في جميع أنحاء العالم من خلال ارتفاع الأسعار وتضييق الخيارات المتاحة، وهو ما قد يرفع احتمال الاستياء السياسي داخل تلك البلدان.وبغض النظر عن الأهداف المعلنة، فإن رسوم ترامب الجمركية ستجعل العالم أكثر فقراً وأكثر خطورة. ومن غير المرجح حدوث تراجع كامل عن التجارة العالمية، غير أن التجارة الدولية تشهد بالفعل تحولات قد تُعمّق التصدعات الجيوسياسية. ولطالما حافظت مصالح الأعمال على توازن العلاقات بين المتنافسين.وعلى سبيل المثال، خفت حدة التوترات بين الولايات المتحدة والصين على مدى العقدين الماضيين بفضل حرص الشركات الأميركية على بيع منتجاتها وخدماتها للطبقة المتوسطة الصينية سريعة النمو، مع اعتمادها على الموردين الصينيين. كما لعب المستثمرون الأميركيون، الطامحون للوصول إلى الأسواق المالية الصينية، دوراً مشابهًا.فعندما تلاعبت الصين بسعر عملتها في العقد الأول من الألفية للحصول على ميزة تنافسية لصادراتها، حالت المصالح التجارية الأميركية دون اتخاذ الولايات المتحدة إجراءات عقابية. أما بالنسبة للصين، فإن الفوائد التي جنتها من انفتاحها على الشركات والمستثمرين الأميركيين دفعت بكين، ولو مؤقتًا، إلى مواءمة اقتصادها مع مبادئ السوق الحرة الأميركية، بتخفيف القيود المفروضة على تدفق الاستثمارات إلى داخل البلاد وخارجها، بل واتخذت خطوات لتقليص تدخل الحكومة في أسواق الصرف الأجنبي وغيرها من الأسواق المالية.إلا أن التجارة أصبحت الآن لعبة صفرية، حيث لا ربح دولة يعني خسارة أخرى. وتدرك الدول متوسطة القوة، مثل الهند، الآن أن حتى الصداقة مع الولايات المتحدة قد لا تحميها من الرسوم الجمركية، مما يجعلها أقل استعداداً للتحالف الكامل مع واشنطن. حتى إن حلفاء الولايات المتحدة القدامى، مثل بريطانيا والاتحاد الأوروبي، لم يكونوا بمنأى عن تلك الرسوم. ورغم أن الحكومات تتخذ القرارات السياسية، إلا أن المصالح التجارية هي التي تُحدد الحقائق على أرض الواقع. فقد دفع تقليل الحواجز التجارية وعوامل أخرى، مثل انخفاض تكاليف النقل، الشركات إلى بناء سلاسل توريد مرنة تمتد عبر دول متعددة.وأدى هذا النهج، الذي ركّز على الكفاءة وخفض التكاليف، إلى انخفاض الأسعار للمستهلكين، وزيادة تنوع المنتجات، كما ساعد على نشر التقنيات الجديدة، وعزز الابتكار. ومهما كان مصير رسوم ترامب الجمركية، فقد غيّرت بشكل دائم مشهد التجارة العالمية. فالشركات في جميع أنحاء العالم تواجه بالفعل اضطرابات ناجمة عن تغير المناخ والتوترات الجيوسياسية، بما يشمل أزمة أوكرانيا. وأصبح عليها الآن مواجهة احتمال نشوب حرب تجارية نتيجةً لرسوم جمركية انتقامية ومخاوف العديد من الدول من أن تصبح مناطق إغراق للصادرات الصينية. وحتى لو تراجعت الدول عن استخدام الرسوم الجمركية، فلا توجد قيود تمنعها من استخدام الدعم الحكومي وحصص الاستيراد والتصدير لصالح المصنعين المحليين وتقييد التجارة. وبالتالي، تُجبر الشركات على التعامل بالمزيد من المرونة مع سلاسل التوريد الخاصة بها بدلاً من الكفاءة.وتلجأ الشركات إلى توجيه التصنيع إلى الداخل (إعادة الإنتاج إلى البلد الأم) أو إلى ما يُعرف بـ«التحالف في التوريد» (إدارة سلاسل التوريد فقط عبر الدول التي تعتبرها دولة المنتج الأصلية حليفة). ويعني ذلك أن المنتجين لم يعودوا قادرين على الاستفادة من انخفاض تكاليف العمالة في الخارج أو من مزايا إقامة المصانع بالقرب من مصادر المواد الخام.وحتى هذا النهج، الذي يبدو أكثر أماناً، أي إعادة التصدير إلى الدول الصديقة، قد تلقى ضربة قوية بسبب رسوم ترامب الجمركية، والتي فُرضت على الحلفاء والخصوم على حد سواء. فقد باتت جدوى إعادة توجيه الإنتاج وإعادة هيكلة سلاسل التوريد بعيداً عن الصين؛ مثل فيتنام والهند، التي كانتا تربطهما علاقات تجارية أكثر إيجابية مع الولايات المتحدة، مهددة بالانهيار بسبب الرسوم المقترحة. ولم تسلم كندا والمكسيك، وهما دولتان أساسيتان في سلاسل توريد صناعة السيارات الأميركية، من تلك الرسوم أيضاً. وبالنسبة للمستهلكين حول العالم، سيعني الانسحاب من نظام التجارة الحرة ارتفاع الأسعار.وبالنسبة للعديد من الدول ذات الدخل المنخفض، التي تسعى إلى تحقيق التنمية عبر التصنيع، فإن المسار التقليدي لبناء طبقة وسطى قوية آخذ في التلاشي. إن عالماً يشهد تراجعاً في حجم التجارة وازدياداً في حالة عدم اليقين، سيكون بلا شك عالماً أقل ازدهاراً. وهذا، على الأقل، هو الجانب الوحيد الذي قد تكون فيه رسوم ترامب عادلة، إذ أن جميع الدول في تلك الحالة، بما فيها الولايات المتحدة، ستشعر بالألم.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.