dhl
dhl

إنريكي أسيفيدو يكتب: لماذا رفعُ العلم المكسيكي في لوس أنجلوس؟

كنتُ هناك حينما اجتاح المتظاهرون شوارعَ وسط مدينة لوس أنجلوس، فعلتْ هتافاتهم فوق صوت صفارات الإنذار وطنين المروحيات التي تحلّق على ارتفاع منخفض. كان الهواء مشبعاً بالدخان، وكانت لسعة المواد الكيميائية اللاذعة والحادة تحرق الحلق وتدمع العيون. دوّت أصوات انفجارات عالية بين المباني الخرسانية، تلاها دويّ ارتطام الرصاص المطاطي بالأرض والأجساد. وقف جدار من ضباط شرطة لوس أنجلوس بثبات على حافة الحشد.وفوق كل هذا، وسط الفوضى والمواجهة، ظهرت رايات مكسيكية مرفوعة في الهواء، كما لو كانت تتحدى المدينة، وتتحدى البلاد كي تراها. نحن نعرف ما حدث بعد ذلك: غضب ورد فعل عنيف. لم يكن مجرد شعور بعدم الارتياح، بل غضب غريزي حقيقي. وبالنسبة للكثيرين، رؤية العلم المكسيكي يُرفع أثناء احتجاج ضد وكالة الهجرة والجمارك الأميركية لا تثير فقط التساؤلات، بل تُعدّ إهانة.يسألون: إذا كنتم تطالبون بحقوق في هذا البلد، فلماذا ترفعون علم بلد آخر؟ لكن ذلك العلم، في تلك اللحظة، لا يعبّر عن رفض الولايات المتحدة، بل عن رفض المحور. إنه مشحون بالتاريخ والذاكرة والتحدي. يطرح سؤالاً عميقاً حول من نحن كبلد، والأهم: من الذي نرغب حقاً في ضمه إلى هذا الوطن؟إنه يدفعنا إلى مواجهة هوية وطنية أكثر تعقيداً مما قد يقبله الكثيرون. في وقت لم تعد فيه الهجرة مجرد موضوع للنقاش، بل أصبحت أداة لإثارة الخوف، وترسيخ السلطة، وتجريد شريحة أساسية من المجتمع من إنسانيتها، وفي وقت أصبح فيه الثمن السياسي للتعاطف باهظاً للغاية، فإن لحظات كهذه لا تثير الجدل فحسب، بل تصبح محطات فاصلة. إنها تُرغمنا على طرح أسئلة بلا أجوبة سهلة: من الذي ينتمي حقا إلى هذا البلد؟ وبأي ثمن؟ هل يمكن أن تتسع الهوية الأميركية لهذا القدر من التعقيد، أم أن الانتماء لا يزال مشروطاً بالصمت، وبالذوبان في ثقافة الغالب، وبمحو كل ما لا يتوافق معها؟ ولوس أنجلوس هي المكان المثالي لطرح هذه الأسئلة، لأن الهوية المكسيكية ليست غريبة عنها. بل هي جزء أصيل من تكوينها. فقد كانت هذه الأرض جزءاً من المكسيك، ولا تزال الذاكرة والثقافة وأسماء الشوارع والطعام والعائلات شاهدة على ذلك، عائلات لم تعبر الحدود، بل الحدود هي التي عبرت فوقها. في هذا السياق، لا يُعتبر العلم المكسيكي بالضرورة رمزاً للانفصال أو الرفض. أحياناً يكون إعلاناً: نحن الاثنان. نحن مكسيكيون وأميركيون، لا منقسمون، بل متداخلون. هذه هي هويتنا.بصفتي شخصاً تأثر بهذين البلدين، فقد عشت معظم حياتي في ظل هذا التوتر. ومع ذلك، فإن تلك المساحة بين أمتين، عالمين غير متماثلين، كل منهما ترك بصمته عليّ بطرق لم تكن دائماً متوافقةً، لم تشعرني يوماً بالفراغ، بل ربطتني بملايين آخرين يحملون نفس الهوية المركبة. يعيش أكثر من 37 مليون شخص من أصل مكسيكي في الولايات المتحدة، وأكثر من 11 مليوناً في كاليفورنيا وحدها.وبالنسبة للكثيرين منا، أن نكون كليهما، أو لا ننتمي بالكامل لأي منهما، ليس تناقضاً، بل هو حقيقة، وانعكاس لانتماء داخل بلد لا يزال يتعلّم كيف يحتضن أكثر من قصة واحدة في آنٍ واحد. لكن التعددية الأميركية لم تكن يوماً مرحِّبة كما نزعم. غالباً ما تتسامح مع وجودك، لكنها تعاقب على ظهورك. يُنظر إلى المكسيكيين الأميركيين على أنهم ضروريون عندما يحتاج البلد إلى أيدٍ عاملة في الحقول، وفي المستشفيات أثناء جائحة كوفيد، في منازلنا، وفي مدارسنا وقواتنا المسلحة.. لكنهم يصبحون موضع شبهة عندما يطالبون بالكرامة، أو بالصوت السياسي، أو بحرية الاعتزاز بجذورهم. كانت الرسالة دوماً: ساهم، لا تُعقّد الأمور.هذا التناقض متجذر في التاريخ. رأيناه من قبل، خلال برنامج «براسيرو»، عندما دُعي العمال المكسيكيون لسدّ النقص في الأيدي العاملة، في الوقت نفسه الذي كان يتعرض فيه المواطنون المكسيكيون الأميركيون لهجمات، كما حدث في أعمال الشغب ضد أصحاب بدلة «زوت» عام 1943.ورأيناه مجدداً في عملية «ويت باك» في خمسينيات القرن الماضي، عندما تم ترحيل أكثر من مليون شخص، بينهم مواطنون أميركيون، بعد أن لم يعودوا يُعتبرون «مفيدين». ونراه اليوم أيضاً، حينما تحفل الخطابات بمديح صمود اللاتينيين وقيمهم الأسرية، ثم نفكّك تلك الأسر نفسها بأوامر الترحيل التالية. غالباً ما يُستَخدم اللاتينيون واجهة لصراعات أعمق بكثير، تتعلق بالعرق والهوية والقوة السياسية في أميركا.ولذا، حين يلوّح أحدهم بالعلم المكسيكي في شوارع لوس أنجلوس، فهو يُلامس وتراً حساساً، لكن لعلّ ما يُزعج الناس ليس العلم بحد ذاته، بل ما يكشفه. فهو يُجبرنا على مواجهة ذلك التعقيد الذي لا نزال نعجز عن تقبّله: أن تكون أميركياً لا يتطلب أن تكون أقل من أي شيء آخر. وأن الفخر بجذورك لا يُلغي حقك في هذا الوطن. وأن حبّك للمكان الذي أنت فيه لا يعني نسيانك للمكان الذي أتيت منه.وفي نهاية المطاف، لا أحد يعترض عندما يُرفع العلم الأيرلندي في يوم القديس باتريك، أو عندما تُعرض أعلام عديدة أخرى في شوارع المدن خلال الصيف. تلك اللحظات تُعتبر آمنة، ومُرخصة باعتبارها «النوع الصحيح» من الفخر العرقي.لكن حين يظهر ذلك الفخر في سياق احتجاج، حين يكون مشبعاً بالحزن والغضب والمطالبة بالاعتراف، فجأة يبدو خارجاً عن السيطرة، وغير مرحّب به، كما لو أن الظهور يصبح مقبولاً فقط عندما لا يتحدى السرد المهيمن. علينا أن نتجاوز هذا الخيار الزائف بين الاندماج الكامل أو الإقصاء، وأن نسأل أنفسنا ما إذا كانت رؤيتنا للتعددية كريمة بما يكفي لاحتواء الناس كما هم، لا كما نريدهم أن يكونوا. إذا كان مشهد العلم المكسيكي يدفع بعضهم للتوقف والتفكير، فربما هذا هو المقصود.الحقيقة أن وجود هذا العلم في هذا البلد، في هذه المدينة، في هذه الاحتجاجات، ليس مشروعاً عادياً، بل مشروعاً في غاية الأهمّية. إنه يتحدث عن تاريخ غالباً ما يتم تجاهله، وعن مجتمع غالباً ما يُهمَّش. إنه يُذكّرنا بأن الانتماء لا يُمنح بالصمت أو الخضوع، بل يُنتزع بالحضور، بالذاكرة، وبالصوت. وربما يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن بلد يُربكه التعقيد، أم بلد واثق بما يكفي لاحتضانه؟

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.