يبدو أن هناك منطقاً واضحاً وراء قرار الرئيس دونالد ترامب هذا الشهر برفع الرسوم الجمركية على واردات الألومنيوم من 25% إلى 50%. فهو يعتقد أن الولايات المتحدة تعتمد بشكل مفرط على الواردات، وأن الصين تهيمن بشكل مفرط على إنتاج هذا المعدن الأساسي.نظرياً، قد تؤدي هذه الرسوم إلى إحياء الإنتاج المحلي في الولايات المتحدة. لكن ولسوء حظ طموحات ترامب، كلما تعمقت في عالم الألومنيوم العجيب والمعقد، أدركت أكثر أن هناك حدوداً مادية تجعل انتعاش إنتاج الألومنيوم الأميركي أمراً غير مرجح.فالمشكلة ليست في توفر المادة الخام. فالألومنيوم يوجد في قشرة الأرض أكثر من أي معدن آخر. لكن التحدي الحقيقي هو في كيفية استخراجه وتحويله إلى شكل قابل للاستخدام، وهو إنجاز لم يتحقق إلا مؤخراً نسبياً في تاريخ البشرية. قبل ذلك، كان الألومنيوم يُعد أغلى المعادن في العالم.في منتصف القرن 19، كانت قيمة الألومنيوم تفوق وزنه ذهباً. وكان نابليون الثالث يحب أن يُدهش ضيوفه في الولائم الملكية باستبدال أطباق الذهب التقليدية بأطباق من الألومنيوم. وعندما تم وضع قمة نصب واشنطن التذكاري من الألومنيوم عام 1884، كانت تلك القطعة الصغيرة هي أكبر قطعة ألومنيوم في العالم آنذاك.ما غيّر كل شيء بعد بضع سنوات كان اكتشاف طريقة لصهر الألومنيوم بكميات هائلة باستخدام التحليل الكهربائي. لقد أحدثت عملية «هول-هيرو»، كما سُميت نسبةً إلى مخترعيها، نقلة نوعية في العالم. فجأة، لم يعد الألومنيوم – وهو أخف وزناً بكثير من معظم المعادن الأخرى، فضلاً عن كونه أكثر مقاومةً للتآكل الذي يُصيب الحديد – محصوراً في أماكن مثل قاعة حفلات نابليون الثالث.بفضل هذه العملية، تمكّن «الأخوان رايت» من إقلاع طائرتهما الأولى عام 1903 في «كيتي هوك» بكارولاينا الشمالية بمحرك مصنوع من الألومنيوم. وبفضل وفرة الألومنيوم اليوم، نتمتع بالطيران الحديث، وخطوط الكهرباء التي تزود العالم بالطاقة، وهياكل العديد من السيارات الحديثة، وحتى الصفائح المعدنية التي تُطبع عليها الصحف الورقية.لا يزال الألومنيوم يُنتج بالطريقة نفسها تقريباً حتى اليوم، عبر تفاعل كهربائي يستهلك كميات هائلة من الطاقة. يمكنك التفكير في الألومنيوم على أنه أشبه ببطارية – فهو ليس مجرد معدن مستخرج من الأرض، بل كميات هائلة من الكهرباء.لكن ليس الطاقة وحدها هي المطلوبة، بل الطاقة المستمرة أيضاً. فعلى عكس العديد من المصانع الأخرى في العالم الصناعي، لا يُمكن تشغيل وإيقاف مصانع الألومنيوم بسهولة. فتوقف لبضع ساعات فقط قد يُسبب تجمد المعدن المُنصهر، مُسبباً ضرراً دائماً لخط الإنتاج بأكمله.قد تتساءل الآن: ما علاقة كل هذا بعام 2025؟ الجواب القصير: علاقة كبيرة جداً. لماذا يُصهر معظم الألومنيوم في أميركا الشمالية في كندا؟ لأن معظم محطات الطاقة الكهرومائية توجد هناك. على عكس محطات الغاز التي تغير إنتاجها حسب الأسعار، توفر المحطات الكهرومائية تدفقاً مستقراً من الكهرباء، وهو ما يحتاجه مصنع لا يمكنه التوقف مثل مصانع الألومنيوم. أما في الولايات المتحدة، فلا يوجد الكثير من المواقع الجديدة المناسبة لبناء مثل هذه المحطات.نظرياً، يمكن للولايات المتحدة إيجاد طرق لزيادة إنتاج الألومنيوم، خاصة إذا استمرت الرسوم لسنوات. وجزء من سبب تراجع الإنتاج في الدول المتقدمة هو أن الصين زادت إنتاجها بشكل هائل مؤخراً، ما خفّض الأسعار عالمياً وجعل المنافسة صعبة. إنها مشكلة عالمية ولها عواقب عالمية، محسوسة في جميع أنحاء أوروبا والأميركتين.لكن هناك ثلاث عقبات رئيسية أمام زيادة الإنتاج الأميركي من الألومنيوم: عدم اليقين السياسي: المستثمرون مترددون لأن ترامب قد يغيّر رأيه بشأن الرسوم في أي لحظة، ما ينسف الجدوى الاقتصادية لأي مشروع جديد. والزمن اللازم للتشييد، فبناء مصانع جديدة وربطها بالشبكة الكهربائية يستغرق سنوات، لذا حتى لو بُنيت، فسيظل الأميركيون يعتمدون على الألومنيوم المستورد –وبالتالي، على سيارات وطائرات وسلع أغلى– لسنوات مقبلة. المصلحة الوطنية: ليس من الواضح أن زيادة إنتاج الألومنيوم تصب في مصلحة الولايات المتحدة على أي حال.تكمن المشكلة الرئيسية هنا في أن إنتاج الألومنيوم يستهلك طاقة قد تكون مفيدة في أماكن أخرى. بفضل وفرة النفط والغاز الصخريين، تمتلك الولايات المتحدة وفرة من الطاقة. وإذا ما أقدمت على بناء محطات طاقة نووية بتكلفة منخفضة في السنوات المقبلة، فسيوفر ذلك مصدراً جديدا للطاقة الموثوقة والمناسبة تماماً لصهر الألومنيوم.لكن الولايات المتحدة تواجه أيضاً طلباً متزايداً على الطاقة، لا سيما من الصناعات الاستراتيجية التي ترغب واشنطن في تطويرها ضمن منافستها مع الصين: الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، البطاريات، والطائرات المُسيّرة. إن توجيه الجيجاوات الثمينة لصناعة المعادن يعني رفع تكلفة الطاقة على الصناعات الأخرى، ما يجعل بعض المشاريع الحيوية باهظة الثمن وغير قابلة للتنفيذ.ستؤدي الرسوم الجمركية المرتفعة، على المدى القصير، إلى ارتفاع الأسعار في الأشهر المقبلة. لكنها تثير أيضاً أسئلة أعمق. هل تريد الولايات المتحدة مواجهة تراجع التصنيع بإعادة تشغيل المصاهر ومضاعفة الجهود في العمليات الصناعية القديمة، وإن كانت مذهلة؟ أم تريد التركيز بدلاً من ذلك على بناء تقنيات المستقبل؟*صحفي بقناة «سكاي نيوز» ومؤلف كتاب «العالم المادي.. المواد الست الخام التي شكّلت الحضارة الحديثة».


