القاهرة – كريم يحيى:
شهدت كل من مصر والجزائر حركات عفو رئاسي واسعة النطاق في الآونة الأخيرة، مما يسلط الضوء على استراتيجيات متشابهة تتبعها الدول في التعامل مع ملف السجناء، مع التركيز على البعد الإنساني والاجتماعي.تُعد قرارات العفو الرئاسي ظاهرة متكررة في العديد من الدول، خاصةً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تتجاوز هذه القرارات مجرد البعد الإنساني لتلامس جوانب سياسية واجتماعية عميقة. ففي الآونة الأخيرة، أصدرت كل من مصر والجزائر قرارات واسعة النطاق بالإفراج عن أعداد كبيرة من السجناء، مما يعكس نهجًا مشتركًا يهدف إلى تعزيز قيم التسامح والإصلاح وإعادة دمج هؤلاء الأفراد في المجتمع. هذه القرارات، التي تُتخذ غالبًا في مناسبات وطنية أو دينية مهمة، تثير ردود فعل متباينة وتكشف عن دوافع متعددة وراء اتخاذها.في مصر، أعلنت وزارة الداخلية الإفراج عن عدد كبير من السجناء بموجب قرارات عفو رئاسي. على سبيل المثال، تم الإفراج عن 1056 سجينًا في إحدى المناسبات الوطنية، كما أشارت بعض التقارير إلى أعداد مشابهة مثل 1027 سجينًا في سياقات أخرى. تأتي هذه القرارات عادةً في إطار الاحتفال بذكرى ثورة يوليو (23 يوليو) وثورة 30 يونيو، مما يربط العفو بالرمزية الوطنية والتاريخية. الشروط العامة للعفو في مصر تشمل عادةً حسن السلوك أثناء تنفيذ العقوبة، وعدم تشكيل خطر على الأمن العام بعد الإفراج، وقضاء جزء كبير من المدة المحكوم بها، مثل نصف المدة في قضايا معينة، أو 15 عامًا في حالة السجن المؤبد. ومع ذلك، تُستثنى جرائم خطيرة مثل القتل العمد والمخدرات من هذه القرارات، لضمان الأمن العام والمجتمعي.في الجزائر، أصدر الرئيس عبد المجيد تبون قرارًا شاملًا بالعفو بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لاستقلال الجزائر. شمل هذا القرار إعفاء نحو 7000 سجين، منهم 6500 محبوس و297 نزيلًا حصلوا على شهادات تعليمية أو تكوينية خلال الموسم الدراسي 2024-2025. وتتضمن أحكام العفو إعفاءً كاملًا أو جزئيًا من العقوبات، مع استثناءات للجرائم الخطيرة مثل الإرهاب والقتل والاعتداءات الجنسية. ويُلاحظ أن تخفيض العقوبة يكون أكبر للمحكومين الذين يبلغون من العمر 65 سنة أو أكثر، والأحداث، والنساء الحوامل، مما يعكس بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا في تطبيق العفو.من أهم الدوافع وراء قرارات العفو الرئاسي هو تعزيز الاستقرار الاجتماعي والوئام الوطني. فمن خلال منح فرصة ثانية للمفرج عنهم، تسعى الحكومات إلى تقوية الروابط بين الدولة والمجتمع، وإظهار التسامح والرغبة في دمج الأفراد في النسيج الاجتماعي. كما أن هذه القرارات تساهم في تخفيف التوترات وتقليل الأعباء على النظام القضائي، مما يمكن أن يؤدي إلى مناخ سياسي أكثر استقرارًا.تخلو قرارات العفو من أبعاد سياسية. فإصدار العفو في مناسبات وطنية أو دينية مهمة يمكن أن يُستخدم كأداة لتعزيز الشعبية السياسية للرئيس، وإظهار حسن النية، وتجديد الثقة بين القيادة والشعب. بالإضافة إلى ذلك، تُستخدم هذه القرارات أحيانًا كوسيلة لتحسين الصورة الحقوقية للبلاد على الساحة الدولية، خاصة في ظل الضغوط التي قد تمارسها المنظمات الحقوقية والدولية بشأن ملفات حقوق الإنسان. هذا يفتح آفاقًا لإصلاح العلاقات الدبلوماسية وتجنب الانتقادات الخارجية.يُعتبر البعد الإنساني عنصرًا أساسيًا في قرارات العفو. فمنح فرصة ثانية للسجناء الذين أظهروا حسن السلوك والتزامًا بالإصلاح خلال فترة عقوبتهم يتماشى مع مبادئ العدالة التصالحية وإعادة التأهيل. هذا النهج يهدف إلى تمكين الأفراد من الاندماج مجددًا في المجتمع كأعضاء فاعلين، مما يقلل من احتمالية العودة إلى الجريمة ويعزز الاستقرار الأسري والمجتمعي.على الصعيد الإيجابي، تُقابل قرارات العفو بفرحة عارمة من قبل السجناء المفرج عنهم وأسرهم، الذين يرون فيها فرصة لبداية جديدة ولم الشمل. تُوصف هذه اللحظات بأنها “ترسم الفرحة” وتعيد الأمل لأفراد كانوا قد فقدوه. كما ترحب قطاعات واسعة من المجتمع والأحزاب السياسية المؤيدة بهذه الخطوة، معتبرين إياها مؤشرًا على نوايا الدولة في الإصلاح وتحقيق التسامح وتعزيز حقوق الإنسان.في المقابل، يرى بعض المراقبين والمنظمات الحقوقية أن هذه القرارات قد تتسم بالانتقائية والسياسة، وأنها لا تعالج الجذور العميقة للمشكلات الحقوقية. تُثار مخاوف من أن تُستخدم قرارات العفو كوسيلة لتهدئة الأوضاع السياسية أو لتخفيف الضغوط الدولية دون تحقيق إصلاحات حقيقية وشاملة. كما أن استثناء بعض الحالات الشهيرة أو الأشخاص المحتجزين في قضايا معينة قد يزيد من التوترات ويُفقد العفو مصداقيته في نظر البعض.تُعد قرارات العفو الرئاسي أداة قوية في يد رأس الدولة، تحمل في طياتها أبعادًا إنسانية عميقة وذات تأثير مباشر على حياة الأفراد والأسر. لكنها في الوقت ذاته تتداخل مع ديناميكيات سياسية واجتماعية معقدة. فبينما تمنح هذه القرارات فرصة ثانية للمفرج عنهم وتساهم في تخفيف الضغط على الأنظمة العقابية، فإنها تثير تساؤلات حول الشفافية والعدالة والانتقائية، خاصة عندما تُستثنى منها حالات معينة أو فئات من السجناء. فهم دوافع هذه القرارات وردود الفعل عليها يتطلب نظرة شاملة تجمع بين الجوانب القانونية، الإنسانية، السياسية، والاجتماعية، لتقدير مدى فعاليتها وتأثيرها الحقيقي على النسيج المجتمعي والدولة.


