القاهرة – كريم يحيى:
تشهد الفترة الراهنة حركة متزايدة لعودة السودانيين من مصر إلى بلادهم، مدفوعة بجملة من العوامل المعقدة التي تشمل الظروف الاقتصادية والمعيشية في مصر، والتغيرات الأمنية في السودان، بالإضافة إلى برامج العودة الطوعية الميسرة. هذه الظاهرة لا تؤثر فقط على الأفراد العائدين، بل تلقي بظلالها على المجتمعات في كل من مصر والسودان، محدثة تحولات اجتماعية واقتصادية بارزة.القرار بالعودة إلى الوطن، خاصة بعد فترة من اللجوء في بلد آخر، ليس قرارًا سهلاً ويتأثر بعدة عوامل رئيسية. بالنسبة للسودانيين في مصر، تتبلور هذه العوامل في مزيج من الضغوط في بلد الإقامة والمغريات أو التغيرات في بلدهم الأصلي.أحد أبرز الدوافع وراء عودة السودانيين هو تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في مصر. يواجه السودانيون ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف المعيشة، بما في ذلك إيجارات السكن وأسعار المواد الغذائية الأساسية، مما يجعل البقاء في مصر أمرًا صعبًا وغير مستدام للكثيرين. بالإضافة إلى ذلك، فإن ندرة فرص العمل والأجور المنخفضة التي لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية تدفع العديد منهم إلى البحث عن حلول بديلة. هذه الضغوط الاقتصادية، إلى جانب حالات الانتهاكات التي تعرض لها بعض السودانيين، مثل الاحتجاز ومصادرة الوثائق، جعلت الإقامة في مصر محفوفة بالمصاعب.على الجانب الآخر، تساهم التطورات في السودان في قرار العودة. فمع تحسن الأوضاع الأمنية في بعض المناطق واستعادة الجيش السوداني السيطرة على مناطق حيوية، يشعر البعض بأن العودة أصبحت ممكنة وآمنة نسبيًا. رغم استمرار النزاع في بعض المناطق، إلا أن وجود مؤشرات على استقرار نسبي في مناطق أخرى يعطي أملًا للعائدين بإمكانية استئناف حياتهم في وطنهم. الرغبة في التواجد مع الأسر والمجتمعات في السودان هي أيضًا دافع قوي، حيث يفضل الكثيرون تحمل مخاطر العودة على الاستمرار في ظروف معيشية صعبة في مصر.تقوم السلطات المصرية بالتعاون مع الجهات السودانية بتيسير عودة السودانيين عبر مبادرات مثل تخصيص قطارات خاصة لنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ومن ثم إلى السودان. هذه الرحلات تتم بتكاليف مدعومة أو مجانية في بعض الحالات، مما يقلل من العبء المالي على العائدين ويجعل عملية العودة أكثر يسرًا وتنظيمًا.شهدت أعداد العائدين السودانيين من مصر ارتفاعًا ملحوظًا، خاصة في الفترة الأخيرة. وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن مئات الآلاف من السودانيين عادوا إلى بلادهم. ففي الربع الأول من عام 2025، عاد حوالي 72 ألف سوداني من مصر، بزيادة كبيرة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. وقد بلغ إجمالي عدد العائدين من مصر نحو 165 ألف شخص حتى أبريل 2025، وارتفع هذا العدد إلى 191 ألفًا بنهاية يونيو 2025.تلقى عودة السودانيين من مصر ردود فعل متباينة على المستويين الشعبي والرسمي في كلا البلدين، مما يعكس التعقيدات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية لهذه الظاهرة.في السودان، أبدى الكثيرون فرحتهم وتشجيعهم لعودة أبنائهم، معتبرين أن ذلك خطوة نحو استقرار البلاد وتعزيز الروح الوطنية. يرى البعض في هذه العودة فرصة لإعادة بناء وتعمير المناطق المتضررة. ومع ذلك، عبر بعض النشطاء والمراقبين عن قلقهم من تزايد أعداد العائدين، مما قد يضغط على الموارد والخدمات المحلية المحدودة، ويؤدي إلى اضطرابات اقتصادية واجتماعية، خاصة في المناطق التي تستقبل أعدادًا كبيرة منهم.في مصر، كانت ردود الفعل إيجابية من قبل الحكومة والمنظمات الإنسانية، حيث قامت السلطات المصرية بتسهيل عمليات العودة عبر قطارات خاصة وتوفير المساعدات اللوجستية، مع إظهار الجوانب الإنسانية للعلاقات بين البلدين. الشعب المصري، بمعظمه، أبدى تعاطفًا مع السودانيين، مع الإعراب عن أملهم في استقرار السودان، رغم بعض المخاوف من التأثير على السوق العقارية وأسواق العمل. فقد أدت هذه العودة إلى انخفاض في الطلب على الإيجارات في بعض المناطق الشعبية.تقوم مصر بتيسير العودة من خلال توفير قطارات خاصة لنقل السودانيين، وهو ما يمثل دعمًا لوجستيًا كبيرًا. بالإضافة إلى ذلك، ينظم ناشطون سودانيون في مصر مبادرات مجتمعية، مثل مبادرة “راجعين لبلد الطيبين”، لمساعدة الأسر الراغبة في العودة، وتقديم الدعم العملي والنفسي لهم. هذه المبادرات تعكس التكافل الاجتماعي والرغبة في مساعدة أبناء الوطن على العودة بأمان.تواصل المنظمات الدولية، مثل المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، جهودها في رصد الأوضاع وتقديم المساعدة. تلعب هذه المنظمات دورًا حيويًا في جمع البيانات، وتقديم الدعم الإنساني، والضغط من أجل حماية حقوق العائدين وضمان امتثال عمليات العودة للمعايير الدولية.تعكس عودة السودانيين من مصر إلى وطنهم صورة معقدة من التحديات والأمل. فبينما يواجه العائدون ظروفًا اقتصادية صعبة في مصر تدفعهم للرحيل، يحدوهم أمل في استعادة حياتهم واستقرارهم في السودان، خاصة مع وجود مؤشرات على تحسن الأوضاع الأمنية في بعض المناطق. تتطلب هذه العملية تنسيقًا مستمرًا ودعمًا من الحكومتين المصرية والسودانية، بالإضافة إلى مساعدة المنظمات الدولية والمجتمع المدني، لضمان أن تكون العودة آمنة، كريمة، ومستدامة. إن النجاح في إدارة هذه العودة سيساهم بشكل كبير في استقرار المنطقة ورفاهية شعبيها.


