dhl
dhl

روبرت بيرجس يكتب: هل يقع «الجمهوريون» أيضاً في فخ التضخم؟

تخيل أنك تقود سيارة على طريق سريع خلال ساعة الذروة وأنت تنظر فقط في المرآة الخلفية. إنه أمر مستحيل، أليس كذلك؟ ومع ذلك، فهذا يشبه الطريقة التي يريد البيت الأبيض من الاحتياطي الفيدرالي أن يدير بها السياسة النقدية، بالنظر إلى الأداء الاقتصادي في الماضي بدلاً من النظر إلى الأمام. تُفضّل إدارة ترامب أن يتجاهل البنك المركزي جميع الأدلة والأبحاث التي تثبت أن الرسوم الجمركية تؤدي إلى ارتفاع تكاليف السلع على المستهلكين والشركات.كتب نائب الرئيس، جي دي فانس، على منصة «إكس»، الأسبوع الماضي، بعد أن جاءت بعضُ أجزاء مؤشرَي أسعار المستهلكين والمنتجين لشهر يونيو أقل من التوقعات: «يبدو أن مهنة الاقتصاد لا تفهم الرسوم الجمركية تماماً». ووصف فانس رفض الاحتياطي الفيدرالي خفض أسعار الفائدة بأنه «سوء ممارسة نقدية»، بينما وصف الرئيس دونالد ترامب رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، بـ«المتأخر جداً»، لعدم خفضه أسعارَ الفائدة. وجاء منشور فانس بعد يوم من تصريح «أورين كاس»، مؤسس وكبير الاقتصاديين في «أميركان كومباس»، وهي مؤسسة بحثية تروج للشعبوية، بأنه حتى لو تسببت الرسوم الجمركية في ارتفاع الأسعار، فإن ذلك لا يُعد تضخماً: «التضخم الناتج عن الرسوم الجمركية» مصطلح متناقض؛ فرفع الأسعار نتيجة خيار سياسي صريح لا يُعد تضخماً، والتغيرات النسبية الناتجة في الأسعار ليست موضوعاً يدخل في نطاق السياسة النقدية.إن إبقاء الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة مرتفعة استجابةً لذلك يُعد تسييساً لدوره. ليست هذه الآراء نادرة فحسب، بل – في حالة كاس – خاطئة تماماً، فالأسعار التي ترتفع بسرعة، مهما كان السبب، وتؤدي إلى تآكل الأجور الحقيقية. لذا فهذه الآراء تشبه الرسائل التي ألحقت الضرر بـ«الديمقراطيين» في انتخابات العام الماضي، والتي أسفرت عن إعادة سيطرة «الجمهوريين» على البيت الأبيض والكونجرس. حاول الديمقراطيون إقناع الأميركيين بأن التضخم قد تقلص، مشيرين إلى كيفية تباطؤ سرعة زيادة الأسعار من أعلى مستوى لها عند 9% في منتصف عام 2022 إلى أقل من 2.5% قبل شهرين من انتخابات نوفمبر، مقتربين من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.ورغم ذلك، ومع اقتراب موعد الانتخابات، قال حوالي 41% من الأميركيين: إن التضخم هو قضيتهم الرئيسية، وقال 55% إن الاقتصاد يسير على المسار الخطأ، وفقاً لمسح السياسة والاقتصاد الذي أجرته مؤسسة «بنك ريت» في سبتمبر الماضي. لم يكن الديمقراطيون مخطئين. المشكلة أنهم، رغم أن وتيرة ارتفاع الأسعار قد تباطأت، إلا أن الأسعار الفعلية بقيت مرتفعةً.فمؤشر أسعار المستهلكين ارتفع بنسبة 29.7% بين بداية عام 2021 وأكتوبر 2024. وبالنسبة للأميركيين، هذا يعني أن أشياء مثل المنازل والسيارات وحتى الطعام ظلت مكلفة أو غير ميسورة التكلفة. لذلك، من الغريب أن يستخدم البيت الأبيض وحلفاؤه الآن نفس الاستراتيجية، في وقت يرى فيه الأميركيون الأمور بشكل مختلف تماماً. تُظهر استطلاعات جامعة ميتشيجان الشهرية لثقة المستهلك أن الجمهور يتوقع أن يرتفع معدل التضخم إلى 4.4% خلال الأشهر الـ12 المقبلة، مقارنةً بنسبة 2.6% التي كانوا يتوقعونها في نوفمبر. ويدعم سوق وول ستريت هذا الرأي الشعبي القائل بأن التضخم سيتسارع. ففي استطلاع أجرته بلومبيرج، شمل أكثر من 50 اقتصادياً من وول ستريت، كانت التقديرات المتوسطة تشير إلى ارتفاع معدل التضخم خلال النصف الثاني من عام 2025، بمتوسط يزيد على 3% في كل من هذا الربع والربع الأخير من العام.وفي سوق السندات، حيث المخاطر المالية حقيقية، يتوقع المتداولون أن تصل مكاسب أسعار المستهلكين إلى مستويات مماثلة لتلك التي شوهدت في عام 2022. وبين صناع السياسات في الاحتياطي الفيدرالي، هناك قلق من أن تصبح التوقعات المرتفعة بشأن التضخم نبوءةً تحقق ذاتَها إذا تم تخفيف السياسة النقدية قبل الأوان. فقد كان هذا درساً مؤلماً تعلمه «آرثر بيرنز»، رئيس الاحتياطي الفيدرالي من 1970 إلى 1978.بطلب من الرئيس ريتشارد نيكسون، أبقى بيرنز أسعارَ الفائدة منخفضةً في عام 1972، خلال فترة هدوء مؤقتة في التضخم للمساعدة على تعزيز الاقتصاد ودعم حملة إعادة انتخاب نيكسون. وبالفعل، أُعيد انتخاب نيكسون، لكن التضخم عاد بقوة، حيث تسارع من 2.7% في منتصف 1972 إلى أكثر من 12% بنهاية 1974. ونتيجة لذلك، لم تكن السبعينيات وقتاً جيداً للاقتصاد الأميركي، إذ استمرت حالة ركود مؤلمة من عام 1973 حتى 1975، وبلغت البطالة 9%.وتقول الشركات إنها تشهد بالفعل ارتفاعاً في تكاليف المدخلات بسبب الرسوم الجمركية، التي لم تُطبق بالكامل بعد. وأشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي، والذي يستند إلى آراء جهات اقتصادية إقليمية، إلى أنه «في جميع المقاطعات الاثنتي عشرة، أبلغت الشركات عن تعرضها لضغوط متوسطة إلى شديدة في تكاليف المدخلات بسبب الرسوم الجمركية، خاصة بالنسبة للمواد الخام المستخدمة في التصنيع والبناء». وبالطبع، في ختام آخر اجتماع للسياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، في 18 يونيو، قال صانعو السياسات إنهم يتوقعون خفضَ سعر الفائدة المستهدف مرتين بحلول نهاية العام، ليصل إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، انخفاضاً من النطاق الحالي (بين 4.25% و4.50%)، والذي ظل عليه منذ ديسمبر.وتُعتبر هذه سياسة «تميل للتيسير» بشكل كبير بالنظر إلى أن قاعدة تايلور – التي تربط سعر الفائدة بالاختلاف بين التضخم الفعلي والمستهدف والبطالة الفعلية والمستهدفة – تشير إلى أن الهدف ينبغي أن يكون أعلى قليلاً. محاولة الضغط على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة قبل الأوان، بزعم عدم وجود تهديد للتضخم، رسالة غير إيجابية يتم إرسالها إلى الجمهور في الوقت الحالي. وهي رسالة لم يقتنع بها الأميركيون العام الماضي، ولن يقتنعوا بها الآن.ومع وجود الاقتصاد في حالة توظيف كامل وسوق الأسهم في مستوى قياسي، يمكن لرئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، أن يتحلى بالصبر، وينتظر المزيد من الوضوح بشأن كيفية تأثير زيادات الأسعار القادمة على التضخم العام وسلوك المستهلكين والشركات. هذا ما يُسمى إدارة السياسة النقدية من خلال النظر عبر الزجاج الأمامي بدلاً من المرآة الخلفية، وله نتائج متوقعة للغاية.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.