القاهرة – كريم يحيى:
في قلب الصعيد المصري، وتحديداً في محافظة أسوان، تكتب مصر فصلاً جديداً ومشرقاً في تاريخها من خلال استثمارها الهائل في الطاقة الشمسية. هذه المنطقة، التي تتميز بوفرة الإشعاع الشمسي على مدار العام، أصبحت نقطة محورية في استراتيجية مصر للتحول نحو الطاقة النظيفة. من مجمع بنبان الشمسي العملاق إلى المشاريع الجديدة في كوم أمبو، تلتزم مصر بتسخير قوة الشمس لإضاءة مستقبلها، ليس فقط على المستوى الوطني بل كنموذج إقليمي يحتذى به في الاستدامة والابتكار.تهدف هذه المبادرات إلى تأمين احتياجات البلاد من الطاقة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، ومكافحة تغير المناخ، فضلاً عن تحفيز التنمية الاقتصادية وخلق فرص عمل. ومع دخول عام 2025، تتسارع وتيرة هذه المشاريع، حيث يتم ربط محطات جديدة بالشبكة الوطنية، مما يعزز قدرة مصر على تحقيق أهدافها الطموحة في مجال الطاقة المتجددة.بدأ مشروع بنبان كجزء من برنامج تعريفة التغذية “النجوم النوبية” في مصر، وهو مبادرة رئيسية لجذب رأس المال والخبرات من القطاع الخاص لدعم هدف توليد 20% من الكهرباء من الموارد المتجددة بحلول عام 2022. وقد تم توصيل المجمع بالكامل بالشبكة الوطنية المصرية منذ عام 2019، وينتج ما يزيد عن 4 تيراوات/ساعة (TWh) من الطاقة سنوياً، مما يقلل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار مليوني طن سنوياً.تشهد منطقة كوم أمبو في أسوان أيضاً تطورات كبيرة في قطاع الطاقة الشمسية. مشروع كوم أمبو للطاقة الشمسية الكهروضوئية، الذي تبلغ قدرته 200 ميجاوات (MW)، هو أحد المشاريع الواعدة التي تنفذها شركة ACWA Power السعودية. يهدف هذا المشروع إلى تلبية احتياجات الطاقة لـ 130 ألف أسرة وخفض 280 ألف طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنوياً.تلتزم مصر بتحقيق أهداف طموحة في مجال الطاقة المتجددة، حيث تستهدف الوصول إلى 42% من إجمالي مزيج الطاقة من المصادر المتجددة بحلول عام 2030، ومع إمكانية زيادتها إلى 42% بحلول عام 2035. كانت الخطة الأصلية هي 20% بحلول عام 2022، والتي تجاوزتها مصر بفضل مشاريع مثل بنبان. تعكس هذه الأهداف التزام الحكومة المصرية بالابتعاد عن الوقود الأحفوري وتعزيز الاستدامة البيئية.كما الأهداف، تعمل مصر على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتوقيع اتفاقيات مع مؤسسات تمويل دولية. فعلى سبيل المثال، دعمت بنوك التنمية الدولية مشاريع الطاقة الشمسية في أسوان بقروض تجاوزت 479 مليون دولار. كما أن نموذج “من القطاع الخاص إلى القطاع الخاص” (P2P) الذي يسمح لمنتجي الطاقة المستقلين بتزويد الكهرباء مباشرة للعملاء الصناعيين، يفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والنمو في القطاع.على الرغم من التقدم الهائل، تواجه مصر بعض التحديات في مسيرتها نحو التحول الكامل للطاقة المتجددة. تشمل هذه التحديات الحاجة إلى تطوير البنية التحتية للشبكة لنقل الطاقة المتجددة من مناطق الإنتاج إلى مراكز الاستهلاك، وضمان استمرارية الإمداد مع الطبيعة المتقطعة لمصادر الطاقة المتجددة، فضلاً عن تحديات التمويل والبيروقراطية.مع ذلك، فإن الفرص تفوق التحديات بكثير. فمصر لديها إمكانات هائلة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وموقعها الاستراتيجي يجعلها محورًا محتملاً لتصدير الطاقة الخضراء إلى أوروبا والمنطقة. ومع استمرار انخفاض تكلفة التكنولوجيا وزيادة الوعي العالمي بأهمية الاستدامة، من المتوقع أن تواصل مصر ريادتها في هذا المجال.تُظهر جهود مصر في تطوير الطاقة الشمسية، وخاصة في محافظة أسوان، التزامًا واضحًا وطموحًا نحو مستقبل مستدام يعتمد على الطاقة النظيفة. من خلال مشاريع عملاقة مثل بنبان ومبادرات جديدة في كوم أمبو تدمج تخزين البطاريات، لا تضيء مصر مدنها فحسب، بل تُمهد الطريق لتكون مركزًا إقليميًا للطاقة المتجددة. هذا التحول لا يعزز الأمن الطاقوي ويقلل الانبعاثات فحسب، بل يخلق أيضًا فرصًا اقتصادية واجتماعية كبيرة، مما يضع مصر على مسار واعد نحو تحقيق أهدافها الطموحة في الطاقة المتجددة والنمو الأخضر.


