القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
في قلب القاهرة، وسط ضجيج السيارات وأصوات الباعة وروائح القهوة الطازجة، تعيش الحرف اليدوية القديمة كأنها شرايين ممتدة من الماضي، تنبض في الحاضر وتبحث عن مستقبل آمن. ليست مجرد مهن اندثرت في كتب التاريخ، بل أرواح حية يسكب فيها الحرفيون من أعمارهم ليصنعوا ما لا تصنعه الآلات، وما لا يمكن أن ينسخه الزمن. في الفسطاط، حيث الحجر يتكئ على حكايات ألف عام، تجد “بيت التراث” وقد تحول إلى واحة تحفظ الذاكرة وتعيد تشكيلها. هناك، يتعانق صوت المطرقة مع رائحة الخشب المنقوش، ويجلس شاب يتعلم من شيخ تجاوز السبعين كيف يصنع زخرفة عربية تحتاج أيامًا لتكتمل، بينما تلمع عيون الزائرين بإعجاب أمام كل قطعة تحمل بصمة اليد لا بصمة المصنع.في الفسطاط، قلب الحرف التقليدية في القاهرة، وُلد “بيت التراث” الجديد داخل مركز الحرف التقليدية؛ بدعم من اليونسكو. لم يكن مجرد معرض، بل مستودعًا حيًا للذاكرة المستمرة، تُعرض فيه مخطوطات الفن وطاولات الزخرفة والتطريز والخياميّة؛ كما أنشئت أرشيفًا متاحًا وثقافيًا – ليكون منارة تعلمية وتنموية تعيد إشعال فُورَة الحرف التي أوشك بعضها أن ينطفئ
.أما في خان الخليلي والدرب الأحمر، حيث الأزقة أضيق من أن تمر فيها السيارات لكنها تتسع لخطوات الحرفيين، كل منهم يحمل في يده قطعة من هويتنا. هنا رجل يطرق النحاس كما كان يفعل جده، وهناك فتاة تُحيك خيوط الخيامية بألوان تسرق النظر. هذه الأماكن ليست متاحف صامتة، بل ورش تنبض بالحياة، تتوارث السر من جيل إلى جيل، وتخفي بين طياتها صبرًا طويلًا على صعوبات العيش وإيمانًا بأن الجمال يستحق أن يُصنع.فقد انتهى مؤخّرًا مشروع مدته ثلاث سنوات بتنفيذ تدريب مكثّف لأكثر من 46 حرفيًا، إلى جانب توثيق 30 نوعًا من الحرف التقليدية، ضمن خطة لحفظ الهوية الثقافية لوسط المدينة وإدراجها ضمن قائمة التراث غير المادي .
وفي الأقصر، بعيدًا عن ضوضاء العاصمة، يظهر مركز “KRFT” كمشهد من لوحة ملوّنة، حيث يجتمع الفن والتاريخ والسياحة في مكان واحد. الزائر هنا لا يكتفي بالمشاهدة، بل يجلس على طاولة العمل، يلمس الطين بيديه، يشكل الفخار أو يخط نقشًا على قطعة خشب، فيتذوق تجربة عاشها المصري القديم قبل آلاف السنين. الفكرة ليست في بيع منتج، بل في إعادة الحرفة إلى وجدان من يراها ويمارسها.حتى القرى البعيدة لها نصيبها من الحلم. في قرية تونس بالفيوم —مركز عمراني سكني امتزج بالتراث بعد وصول الحرفية على يد فنانين، منها مدرسة الفخار التي أسستها السويسرية إيفلين بورِيه، وبها تخرج من كل بيت أنامل تصنع الفخار، كأن القرية بأكملها ورشة مفتوحة. الأطفال يتعلمون من الكبار، والنساء يزخرفن الأواني بخطوط رقيقة، والهواء مشبع برائحة الطين المشوي، بينما الزوار الأجانب يلتقطون الصور ويحملون معهم قطعة من روح المكان.
ورغم كل هذه الجهود، لا تزال هناك جوانب تنتظر المزيد من الضوء، مثل قرية تونس في الفيوم أما الدولة فـ “لا تنام” على جهود الحفاظ؛ فقد دشّنت برنامج “حرفي” بالشراكة بين مؤسسة الائتمان المركزي ووزارة التضامن، بهدف حماية الحرفيين من خلال الدعم المالي، التأمين، والترويج، بالإضافة إلى المعرض السنوي “تراثنا” الذي يجمع آلاف الحرفيين من مختلف المحافظات ليوصل صنع اليد المصرية إلى العالم .في قلب هذا النسيج، يبرز خريطة “Atlas Harafy” – أول منصة رقمية ترصد آلاف الحرفيين في أكثر من 315 قرية وحي، وتنشر تفاصيل عن 66 حرفة تشمل تراث بدوي، قبطي وإسلامي، بهدف بناء جسور تنسيقية بين الحرفيين المحليين والمصممين والمستثمرين .هذه المشاريع لم تكن لتستمر لولا من يراهن على أن التراث ليس رفاهية، بل هوية.
من المعارض السنوية التي تجمع آلاف الحرفيين تحت سقف واحد، إلى المنصات الرقمية التي تضع أسماءهم على خريطة يمكن أن يراها المستثمر أو المصمم في أي مكان في العالم. هناك إصرار واضح على أن الحرف اليدوية ليست بقايا ماضٍ جميل، بل صناعة حاضرة تملك أن تنافس إذا أُعطيت الفرصة.بين صوت المطرقة ورائحة الخشب وطين الفخار، وبين العرق الذي يلمع على جبين الحرفي وابتسامة الرضا حين يكتمل العمل، تعرف أن هذه المهن ليست مجرد أدوات كسب عيش، بل قصص حب طويلة بين الإنسان وموهبته. إنها ذاكرة أمة تتحرك، تتحول، وتجد لنفسها مكانًا في الغد.





