القاهرة -أميرة المُحمَّدي:
في اللحظة التي تتساقط فيها الأنقاض على رؤوس المدنيين في غزة، ويعلو صوت الأطفال الجوعى على دوي المدافع، يظهر في الأفق مقترح جديد يثير الجدل ويشعل النقاشات السياسية والإعلامية” أن تتولى مصر إدارة مؤقتة للقطاع خلال مرحلة انتقالية”. المقترح، الذي طرحه بعض الدبلوماسيين والخبراء في الصحافة العالمية، وعلى رأسهم المفكر والدبلوماسي عز الدين فشير، لا يزال مجرد رؤية على الورق، لكنه نجح في أن يضع القاهرة في قلب حديث العالم مجددًا باعتبارها اللاعب الأساسي في معادلة غزة.الفكرة ببساطة تقوم على أن تدخل مصر كطرف ضامن ووصي مؤقت على القطاع، لفترة محدودة لا تتجاوز ستة أشهر، بهدف إعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني وتهيئة الأجواء لإعادة الإعمار. ويتم ذلك من خلال إدارة مدنية يشرف عليها فريق من الفلسطينيين المستقلين والتقنيين بعيدًا عن التجاذبات السياسية، على أن تكون القاهرة صاحبة الكلمة العليا في ضبط الأمن وضمان تدفق المساعدات وتنظيم عملية الإعمار.

قد تبدو هذه الرؤية في ظاهرها حلاً عمليًا لتجنب الفوضى والفراغ، خاصة بعد أشهر من القصف الذي دمر البنية التحتية للقطاع وأحال حياة سكانه إلى مأساة يومية، حيث يعيش أكثر من مليوني إنسان بلا كهرباء كافية ولا مياه نظيفة ولا خدمات طبية أساسية. كل هذا يجعل الحاجة إلى إدارة انتقالية أكثر إلحاحًا، لتكون بمثابة جسر بين الدمار الحاضر والأمل في مستقبل أفضل.الدعم العربي لهذه الفكرة ليس بعيدًا. فالقمة العربية الأخيرة كانت قد تبنت خطة مصرية لإعادة إعمار غزة بتكلفة تُقدر بنحو 53 مليار دولار، مع رفض قاطع لأي مقترحات أمريكية أو إسرائيلية تتعلق بتهجير سكان غزة أو نقلهم إلى خارج أراضيهم. وهو ما يعكس تمسك الدول العربية، وعلى رأسها مصر، بمبدأ أن غزة لأهلها، وأن أي إدارة مؤقتة لا يجب أن تعني إلغاء الهوية الفلسطينية أو تغييب أصحاب الحق.أما على المستوى الدولي، فإن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد ينظران إلى هذه الخطوة باعتبارها حلاً مؤقتًا يضمن الهدوء ويمنع انفجار الأوضاع من جديد، خصوصًا مع المخاوف من أن يؤدي انسحاب إسرائيلي كامل من القطاع دون بديل منظم إلى حالة فراغ قد تستغلها جماعات مسلحة أخرى. في المقابل، قد يكون القبول الإسرائيلي مشروطًا بقيود أمنية مشددة، ما قد يضع القاهرة في موقف معقد بين إرضاء الأطراف المختلفة والحفاظ على سيادتها وحيادها.التحديات الداخلية تظل أيضًا قائمة. فمصر، التي تعاني من ضغوط اقتصادية وتحديات سكانية وأمنية، تدرك أن الدخول في تجربة “الوصاية المؤقتة” ليس بالأمر السهل. فالأمر يتطلب موارد مالية ضخمة، ومجهودًا دبلوماسيًا مستمرًا، وضمانات من المجتمع الدولي بعدم تركها وحيدة في مواجهة هذا العبء الثقيل. وهنا يظهر السؤال: هل العالم مستعد فعلاً لتقديم الدعم الكافي، أم أن مصر قد تجد نفسها في النهاية في مواجهة أزمة أكبر من قدرتها؟ورغم هذه الصعوبات، إلا أن الرفض الفلسطيني يظل العقبة الأهم. فحركة حماس قد ترى في هذه الخطوة مساسًا بشرعيتها وقوتها على الأرض، بينما قد يعتبرها البعض محاولة لفرض واقع سياسي جديد.

لكن آخرين يرون أن وجود مصر كطرف عربي، تاريخيًا قريب من القضية الفلسطينية، أفضل كثيرًا من أي بديل آخر قد يُفرض من الخارج أو من قوى لا تمثل الشعب الفلسطيني.على المستوى الإنساني، يمكن القول إن سكان غزة اليوم لا يبحثون عن تفاصيل سياسية بقدر ما يبحثون عن النجاة. هم يريدون سقفًا يحميهم من المطر، ودواءً ينقذ أطفالهم، وماءً صالحًا للشرب، وفرصة للعيش بكرامة بعيدًا عن صوت الصواريخ. لذلك، فإن أي حل يوقف نزيف الدم ويمهد لإعادة بناء القطاع سيكون مرحبًا به من قبل الشعب، مهما اختلفت الحسابات السياسية.في النهاية، يظل هذا المقترح مجرد توقع أو رؤية مطروحة للنقاش، لم يتحول بعد إلى قرار رسمي أو خطة عمل على الأرض. لكنه يعكس أمرًا مؤكدًا: أن القاهرة تظل اللاعب المحوري الذي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص غزة. فسواء تولت مصر الوصاية المؤقتة أم لا، فإن حدودها ومواقفها وتاريخها يجعلها دائمًا البوابة الوحيدة القادرة على فتح الطريق نحو مستقبل مختلف لقطاع أنهكته الحروب ولم تفارقه المعاناة.


