القاهرة – كريم يحيى:
المهندسة المصرية رانيا الغباشي، ابنة محافظة المنوفية، خطفت الأضواء عالميًا بتفوقها اللافت في مجال الهندسة الميكانيكية. أصبحت رانيا حديث العالم بعد فوزها بجائزة “ستيفي” المرموقة للسيدات في مجال الأعمال، ضمن فئة صناعة السيارات. هذا الإنجاز يعد نقطة تحول بارزة، حيث تفوقت على ما يقرب من 1500 مهندسة على مستوى العالم لتصبح بذلك أول وأصغر مهندسة ميكانيكية مصرية وأفريقية وعربية تنال هذا التقدير العالمي.تُعد المهندسة المصرية رانيا الغباشي مثالًا يحتذى به في الإصرار والعزيمة والنجاح، فقد استطاعت، بفضل شغفها وعملها الدؤوب، أن تكسر الحواجز وتثبت جدارة المرأة المصرية في المجالات الهندسية التي لطالما هيمن عليها الرجال. من قلب محافظة المنوفية، انطلقت رانيا في رحلة تعليمية ومهنية أثمرت عن إنجازات عالمية رفعت اسم مصر عاليًا في قطاع صناعة السيارات.وُلدت رانيا الغباشي في إحدى قرى محافظة المنوفية بمصر، وتخرجت من كلية الهندسة بجامعة المنوفية، قسم التصميم الميكانيكي والإنتاج، عام 2014. ورغم أن بدايتها لم تكن سهلة، فقد واجهت تحديات كبيرة تتعلق بالتمييز ضد توظيف الإناث في مجال الهندسة الميكانيكية، إلا أنها لم تستسلم. بدأت رحلتها المهنية في مصنع للألواح المعدنية، لتصبح أول مهندسة تعمل فيه، ثم انتقلت للعمل في شركة استشارات هندسية متخصصة في خدمات الهندسة العكسية وتحليل الإجهادات.كانت نقطة التحول الكبرى في مسيرة رانيا هي انضمامها إلى شركة جنرال موتورز مصر، حيث تعمل كمهندسة لتوطين المنتجات. في هذا الدور، تشرف رانيا على تصميم وتصنيع وزيادة المكون المحلي لقطع الغيار، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الاستيراد في صناعة السيارات المصرية. هذا الدور المحوري هو ما أهلها للمشاركة والفوز بجائزة ستيفي المرموقة.فازت رانيا الغباشي بجائزة ستيفي الفضية الرسمية للسيدات في مجال الأعمال، فئة صناعة السيارات، لتكون “موظفة العام 2020”. وقد تفوقت على 1500 مهندسة من 33 دولة حول العالم في هذه المسابقة المرموقة التي تعتبر بمثابة “الأوسكار” في قطاع الأعمال بالولايات المتحدة الأمريكية. هذا الفوز لم يكن مجرد تكريم شخصي، بل هو تأكيد على القدرات المصرية في مجال الهندسة الميكانيكية وصناعة السيارات.أشادت لجنة تحكيم الجائزة برانيا الغباشي، واصفة إياها بأنها “رائدة تمكنت من تفعيل الأشياء بشكل يتجاوز العقبات المعروضة، وطاقتها الملهمة وتصميمها مثال لجميع النساء”. وقد كان لشغفها المبكر بالسيارات، والذي بدأ مع مشاهدتها لمسلسل الكرتون “سابق ولاحق”، دور كبير في توجيهها نحو هذا المسار المهني المتخصص.تعمل رانيا في شركة جنرال موتورز مصر، وهي إحدى الشركات الرائدة التي تسعى مصر لتعميق التصنيع المحلي فيها. تهدف جهود توطين الصناعة إلى زيادة نسبة المكون المحلي في السيارات المنتجة في مصر، مما يعزز الاقتصاد الوطني ويوفر فرص عمل. حاليًا، تصل نسبة التوطين في السيارات الملاكي إلى 45%، بينما تبلغ في الشاحنات 60%. وتعمل رانيا وفريقها على زيادة هذه النسب وتوسيع الصناعات المغذية لصناعة السيارات في مصر.هذا التوجه نحو توطين الصناعة يتماشى مع رؤية مصر الاستراتيجية لتصبح مركزًا إقليميًا لتصنيع وتصدير السيارات. ويُعد عمل رانيا الغباشي جزءًا لا يتجزأ من هذه الاستراتيجية الطموحة، حيث تسهم خبرتها في الهندسة العكسية وتصميم قطع الغيار في تحقيق هذا الهدف.دور الجامعات المصرية في إعداد الكفاءاتتخرجت رانيا من كلية الهندسة بجامعة المنوفية، وهي جامعة حكومية مصرية. يؤكد تفوقها أن الجامعات المصرية، على الرغم من التحديات، قادرة على تخريج كفاءات عالية تنافس على المستوى العالمي. جامعة المنوفية، التي تأسست عام 1976، تسعى دائمًا إلى توفير تعليم متميز وتعزيز البحث العلمي، وإعداد كوادر بشرية مؤهلة تلبي احتياجات سوق العمل المحلي والإقليمي والدولي.تضم جامعة المنوفية عددًا من الكليات الهندسية المرموقة، مثل كلية الهندسة بشبين الكوم وكلية الهندسة الإلكترونية بمنوف، والتي تساهم في إعداد مهندسين متميزين في مختلف التخصصات. هذا يعكس التزام مصر بتطوير التعليم العالي وتخريج جيل من المهندسين القادرين على قيادة الابتكار والتنمية.جهود مصر في توطين صناعة السياراتتولي الحكومة المصرية اهتمامًا كبيرًا لتوطين صناعة السيارات والصناعات المغذية لها. هذا التوجه لا يقتصر على السيارات التقليدية، بل يمتد ليشمل السيارات الكهربائية أيضًا. تهدف هذه الجهود إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل فاتورة الاستيراد، بالإضافة إلى توفير فرص عمل وتنمية الخبرات المحلية.تلعب شركات عالمية مثل جنرال موتورز دورًا محوريًا في هذه العملية، حيث تستثمر في تطوير خطوط الإنتاج ودمج التقنيات الحديثة. وقد احتفلت جنرال موتورز مصر بإنتاج أول مليون مركبة مصنعة محليًا، مما يعكس التزامها بالسوق المصري وقدرتها على تحقيق أهداف التوطين..تُجسد المهندسة رانيا الغباشي قصة نجاح ملهمة تُبرهن على أن العزيمة والشغف يمكنهما أن يحطما أي حواجز. من تعليم حكومي في المنوفية إلى اعتراف عالمي بجائزة ستيفي، أثبتت رانيا جدارتها كمهندسة رائدة ومساهمة فعالة في توطين صناعة السيارات في مصر. إن عملها في جنرال موتورز مصر لتطوير المحتوى المحلي ليس مجرد إنجاز شخصي، بل هو جزء من رؤية وطنية أوسع تهدف إلى تعزيز الاقتصاد المصري وجعله مركزًا صناعيًا إقليميًا.تُعد رانيا الغباشي قدوة للشباب، وخاصة الفتيات، في مصر والعالم العربي، لتشجيعهم على اقتحام المجالات الهندسية والعلمية، والمساهمة بفاعلية في بناء مستقبل أفضل. قصتها هي شهادة على أن الإبداع والتميز لا يعرفان حدودًا جغرافية أو جنسانية، وأن الطموح الحقيقي يمكن أن يحول الأحلام إلى واقع ملموس.


