القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
منذ سنوات ونحن نتابع تطورات التكنولوجيا الطبية التي تسابق الزمن، لكن ما أعلنته شركة Kaiwa Technology في الصين خلال مؤتمر الروبوتات العالمي 2025 ببكين لم يكن مجرّد خبر عابر، بل صدمة علمية وأخلاقية من العيار الثقيل: أول روبوت بشري مزوّد برحم اصطناعي قادر على احتضان جنين حتى الولادة، في تجربة وصفت بأنها ثورة في مجال الإنجاب.الفكرة تقوم على دمج رحم صناعي داخل جسم روبوت بحجم إنسان، يوفر جميع الظروف الطبيعية للحمل: السائل الأمنيوسي، التغذية عبر أنبوب محاكي للسُّريّ، وبيئة متناهية الدقة تحاكي رحم الأم تمامًا. المراحل تخطّت المحاضن التقليدية، إلى الرغبة في حمل الجنين داخل هيكل روبوت كامل، يُغذّيه حتى ولادته بعد حوالي 10 أشهر—وطُرح أن تكون التكلفة أقل بكثير من حمل الإخصاب البديل التقليدي، بحوالي 100 ألف يوان (≈ 14 000 دولار) فقط.لا يخلو الأمر من الجدل: التكنولوجيا مثّلت صدمة أخلاقية لكل من تساءل عن مفهوم الأمومة ومستقبل الروابط الأسرية. من التحديات المطروحة: كيفية تخصيب البويضة وإتمام غرس الجنين—القضايا تلك لم تُحل بعد—كما أن الشق القانوني واللوائح المنظمة للحمل داخل روبوت لا يزال محل دراسة ومناقشة، وقد أكد الدكتور Zhang أنهم بصدد تقديم مقترحات تشريعية مع سلطات غوانغدونغ.هذا المشروع يأتي في سياق تطوّر علمي سبقته تجارب في المختبر، مثل تجربة عام 2017 التي نجحت في إنبات جنين حملت في “biobag” يحمل حملًا لفترة ما قبل الولادة لدى الحملان. لكن الانتقال من نموذج تجريبي جزئي إلى حمل كامل داخل كائن آلي هو قفزة عملاقة—تقنيًا، طبيًا، وأخلاقيًا.لكن وسط ضجيج الانبهار، يطلّ علينا سؤال لا يقل خطورة عن الإنجاز نفسه: أين تقف الأخلاق من كل هذا؟القضية ليست في التقنية وحدها، بل في إعادة تعريف “الأمومة” و”الأسرة”.
هل يمكن أن يحل روبوت محل جسد المرأة الذي ارتبط لآلاف السنين بالإنجاب؟ ماذا سيحدث للعلاقة الوجدانية بين الأم وجنينها حين تتحوّل عملية الحمل إلى معادلة آلية باردة داخل آلة معدنية؟ هل ستفقد الأمومتها جوهرها حين تنفصل عن معنى “التضحية” و”المعاناة” التي تشكّل جزءًا من هذا الرابط الإنساني العميق؟ثم هناك هاجس آخر: ماذا عن القوانين؟ أي تشريع سينظم نسب المولود الذي جاء عبر رحم روبوتي؟ وكيف سيتعامل المجتمع مع طفل يولد من بطن آلة لا قلب لها؟التاريخ يذكر لنا أن العلم كثيرًا ما سبق القوانين، لكن في هذه الحالة الفجوة قد تكون أوسع من أن تُردم بسهولة. تخيّلوا لحظة أن يصبح الحمل في المستقبل “خدمة مدفوعة” تباع وتشترى، فيتحوّل الطفل إلى سلعة يمكن طلبها عبر عقد تجاري. ألن يقودنا ذلك إلى مشهد شديد القسوة، حيث تُفكك الروابط الأسرية وتُختزل الأمومة إلى “اشتراك شهري” في خدمة إنجاب صناعي؟الأطباء في الصين يقولون إن الهدف إنساني بالأساس، وأن التقنية قد تكون منقذًا لملايين النساء اللواتي لا يستطعن الحمل طبيعيًا. لكن بين الدافع الإنساني وحقيقة الاستغلال التجاري مسافة دقيقة قد تنزلق إليها الشركات بسهولة. وهنا يكمن جوهر النقاش: كيف نوازن بين الحق في الإنجاب والحق في حماية إنسانيتنا من التلاشي وسط برودة التكنولوجيا؟المشروع بلا شك خطوة عبقرية في تاريخ الطب، لكنه في الوقت نفسه فتح أبوابًا جديدة من الجدل الفلسفي والاجتماعي. فبين من يراه خلاصًا للمرأة العاقر، ومن يعتبره تهديدًا لمعنى الحياة ذاته، يبقى المستقبل مفتوحًا على احتمالات لا نهاية لها. السؤال الآن ليس: هل يمكن للروبوت أن يحمل؟ بل: هل نحن على استعداد أن نتقبّل مولودًا خرج من رحم بلا مشاعر؟هذا، ويُتوقع أن استعراض النموذج سيتم فعليًا عام 2026، بينما تستمر النقاشات السياسية والقانونية للتحكيم بين التقدم في الطب، وتفادي المخاطر الأخلاقية. هل نرى قريبًا أبًا أو أمًا يشاهدان مولودهما ينبض داخل روبوت؟ لا أحد وحده يحدد المستقبل، لكن المؤكد أن هذه النقلة تعيد تشكيل خريطة تكنولوجيا الإنجاب بطرق لم نعتد تخيّلها من قبل.



