القاهرة – كريم يحيى:
شهدت العلاقات المصرية الهولندية مؤخرًا تطورات متوترة أعقبت حادثة الاعتداء على مقر السفارة المصرية في لاهاي، هولندا. تفاقمت هذه التوترات مع ردود فعل شعبية ودبلوماسية في مصر، تجلت في مظاهرات حاشدة أمام السفارة الهولندية في الزمالك بالقاهرة. هذا التقرير يقدم سرداً شاملاً للأحداث، بدءاً من تفاصيل الاعتداء، مروراً بردود الفعل الرسمية والشعبية، وصولاً إلى التداعيات الدبلوماسية.في 21 يوليو 2025، وقع حادث لافت وغير مسبوق استهدف السفارة المصرية في لاهاي، هولندا. قام الناشط المصري أنس حبيب بإغلاق أبواب السفارة بأقفال حديدية، وهو عمل احتجاجي يرمز إلى الحصار المفروض على قطاع غزة وإغلاق معبر رفح البري. هذا الفعل، الذي تم بثه مباشرة، أظهر حبيب وهو يضع الأقفال بحضور طاقم السفارة، وتخلله تبادل اعتداء بينه وبين أحد موظفي السفارة.كان الهدف من هذا الاحتجاج لفت الانتباه الدولي إلى الأزمة الإنسانية في غزة، وتفاقم ظروف المعيشة جراء استمرار إغلاق المعبر. ورغم أن العمل كان فرديًا، إلا أنه سرعان ما أثار موجة من الاستياء على المستويين الرسمي والشعبي في مصر، وأعاد تسليط الضوء على مسؤولية الدول المضيفة في حماية البعثات الدبلوماسية.دوافع وأهداف الاحتجاج في لاهايالدافع الأساسي وراء إغلاق السفارة المصرية في لاهاي كان الاحتجاج على استمرار إغلاق معبر رفح وتفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة. أراد الناشط أنس حبيب، من خلال هذا العمل الرمزي، تسليط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني المحاصر، وربما ممارسة ضغط على الحكومة المصرية بخصوص موقفها من المعبر.هذا الفعل الرمزي يهدف إلى محاكاة الحصار الذي يتعرض له قطاع غزة، وإيصال رسالة واضحة حول مدى خطورة الوضع الإنساني هناك. كما أنه يعكس حالة من الإحباط والغضب لدى بعض النشطاء تجاه الأوضاع الراهنة وما يعتبرونه قصورًا في التعامل مع الأزمة.في 19 أغسطس 2025، شهدت القاهرة مظاهرات حاشدة أمام السفارة الهولندية في الزمالك، شارك فيها عشرات المصريين من مختلف الأعمار، رجالًا ونساءً وأطفالًا. كانت هذه الاحتجاجات ردًا مباشرًا على الاعتداء على السفارة المصرية في لاهاي، وهدفها التنديد بالحادث والمطالبة بمحاسبة الجناة.رفع المتظاهرون لافتات وشعارات قوية تعبر عن غضبهم، منها “قفل سفارة مش حرية دي جريمة إرهابية”، و”لماذا تدعم هولندا الإخوان؟”، و”الاعتداء على سفارتنا جريمة”. هذه الشعارات تعكس اعتقاد المتظاهرين بأن الحادث كان مدبرًا وله أبعاد سياسية، متهمين جماعة الإخوان المسلمين بالوقوف وراءه ومطالبين السلطات الهولندية بتحمل مسؤوليتها في حماية البعثات الدبلوماسية.تأثير الاحتجاجات على المشهد العامفرضت قوات الشرطة المصرية طوقًا أمنيًا حول السفارة الهولندية في الزمالك، ورفعت الإجراءات الأمنية في الشوارع المحيطة بالمكان لضمان سلمية المظاهرات ومنع أي تصعيد. على الرغم من التوتر، سارت الاحتجاجات بشكل سلمي، ولكنها أظهرت مدى استياء الرأي العام المصري من الاعتداء على رمز من رموز سيادة الدولة.الاحتجاجات الشعبية في القاهرة لم تكن مجرد رد فعل على حادث لاهاي، بل كانت أيضًا فرصة للتعبير عن قضايا أوسع تتعلق بحماية البعثات الدبلوماسية، وربما انتقادًا ضمنيًا لموقف بعض الدول الأوروبية من جماعات معينة. هذا يؤكد على أن الحادثة تجاوزت نطاق الاعتداء الفردي لتصبح قضية دبلوماسية وشعبية أوسع نطاقاً.على المستوى الرسمي، أعربت مصر عن استيائها الشديد من حادثة لاهاي. تلقى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالًا من نظيره الهولندي، كاسبر فيلدكامب، حيث عبر الأخير عن أسفه العميق للحادث، مؤكدًا التزام هولندا بتعزيز الإجراءات الأمنية حول السفارة المصرية في لاهاي.من جانبه، شدد الوزير المصري على مسؤولية هولندا، بصفتها الدولة المضيفة، في توفير الحماية اللازمة للبعثات الدبلوماسية وفقًا للاتفاقيات الدولية، ومنع تكرار مثل هذه الاعتداءات. كما طلب عبد العاطي من نظيره الهولندي استثمار دور هولندا داخل الاتحاد الأوروبي لوقف الأزمة الإنسانية في غزة، مما يربط بين القضيتين.تثير هذه الحادثة تساؤلات حول فعالية الإجراءات الأمنية حول البعثات الدبلوماسية في أوروبا. فالدول المضيفة ملزمة بتوفير حماية كافية للسفارات والقنصليات. اعتذار هولندا وتعهدها بتعزيز الإجراءات الأمنية يعكس إدراكها لهذه المسؤولية، وأهمية استعادة الثقة الدبلوماسية. هذا يضع ضغطًا على السلطات الهولندية لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث في المستقبل.الاحتجاج الأصلي في لاهاي، والذي كان بدافع إغلاق معبر رفح، يبرز البعد الإنساني العميق للقضية. فالأزمة الإنسانية في غزة تتفاقم، والمجاعة تتهدد السكان، وهو ما يدفع بعض الأفراد للقيام بأعمال احتجاجية لافتة للنظر لجذب الانتباه الدولي. هذا يعكس الضغط الشعبي المتزايد على الحكومات للتحرك وتقديم المساعدة الإنسانية.تُعد حادثة الاعتداء على السفارة المصرية في لاهاي وردود الفعل عليها في القاهرة مؤشرًا على تعقيد العلاقات الدولية، خاصة في سياق الأزمات الإقليمية مثل قضية غزة. وقد أظهرت الأحداث ضرورة الالتزام بالقوانين الدولية التي تحمي البعثات الدبلوماسية، وأهمية الحوار لحل الخلافات وضمان أمن وسلامة الدبلوماسيين.وعلى الرغم من اعتذار هولندا وتعهدها بتعزيز الإجراءات الأمنية، فإن الحادث قد أثر على صورة هولندا في مصر، وزاد من التوتر الدبلوماسي بين البلدين. ومع ذلك، فإن التعاون في القضايا الإنسانية، مثل أزمة غزة، يظل نقطة مهمة يمكن البناء عليها لتعزيز العلاقات مستقبلًا.


