dhl
dhl

حين يتحول العطش إلى تاريخ …حكاية حارة السقايين و منبع التراث الشعبي

القاهرة – نهاد شعبان:

“متروحش تبيع المية في حارة السقايين”

من منا لم تصل إلى مسامعه كلمات تلك الأغنية الشهيرة التي غنتها شريفة فاضل، والتي ارتبط اسمها بحارة السقايين، منبع التراث الشعبي في مصر، تلك الحارة الضيقة البسيطة النابضة في قلب القاهرة القديمة، بالقرب من حيّ باب الشعرية.

سبب تسمية الحارة

لم يأتِ اسم حارة السقايين من فراغ ولكنه ارتبط بواحدة من أقدم المهن التي عرفها المصريون قبل دخول خدمة شبكات المياه الحديثة للمنازل، ففي شوارع تلك الحارة كان السقّايون – وهم رجالًا يحملون القِرَب الجلدية المملوءة بالماء- يجوبون الشوارع والأزقة والمنازل لإطفاء عطش الناس، وهو ما جعلهم دائمًا رمزًا للخير والعطاء وملاذًا للفقراء الذين لا يملكون ثمن شراء الماء، ومع مرور الوقت، صار اسمهم عنوانًا للحارة التي احتضنتهم.

حرفة السقايين

مع مرور الوقت بدأت حرفة السقايين في التلاشي، وتحديدًا في عام 1856 حينما قرر الخديوي إسماعيل أنذاك إنشاء محطة لضخ المياه في العاصمة وتوصيل الماء إلى البيوت بواسطة الأنابيب، وعندها بدأ الناس في الاعتماد بشكل كبير عليها دون الحاجة إلى اللجوء للسقايين، وهو ما ساعد في اندثار تلك المهنة، ولكن على الرغم من اختفاء مهنة السقا منذ عقود، إلا أن الحارة لا تزال تحتفظ بتاريخها العتيق، وروحها الشعبية، وبيوتها المتلاصقة، وأبوابها الخشبية القديمة، وأصوات الباعة الجائلين، ورائحة العراقة والأصالة التي تلتصق بجدرانها.

بين الماضي والحاضر

رغم أن أهل الحارة أصبحوا في الوقت الحالي يمارسون حرفًا أخرى، إلا أنهم لا زالوا يفتخرون بانتمائهم إلى مكان له جذور عميقة، ويشكل جزءً من تاريخ ونسيج القاهرة الفاطمية، ويعكس صورة حية عن حياة المصريين في الماضي، لتصبح تلك الحارة الأن مقصدًا للعديد من الزوار والباحثون في التراث الشعبي، يلتقطون صورًا لها ويستمعون لحكايات كبار السن عن مهنة السقا التي لم تعد موجودة، لكنها باقية في الذاكرة الشعبية وفي اسم الحارة الذي لم يتغير.

أبرز سكانها ما لا يعرفه الكثيرون

أن هناك العديد من المشاهير ممكن سكنوا حارة السقايين من بينهم شفيقة القبطية والتي كانت تعتبر من أشهر المغنيات في مطلع القرن العشرين، وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بطبقة الحكم والإقطاعيين، وعاشت مدة طويلة في حارة السقايين وأضفت على المشهد الفني طابعًا شعبيًا مميزًا.

أيضًا كان من أشهر سكانها الشاعر أحمد رامي، وهو من أشهر الشعراء الذين كتبوا لأم كلثوم، وقد وُلد في حارة السقايين، رغم أنّه غادرها في طفولته، وعاش فيها أيضًا محمد دري، صاحب أول مطبعة في الشرق، والمعروفة باسم “المطبعة الدرية”، وإدوار وليم لين “منصور أفندي” وهو كاتب بريطاني تبنّى اسمًا محليًا، واشتهر بكتابه المصريون المحدثون: عاداتهم وتقاليدهم”، وأيضًا بطرس باشا غالي، وهو أول رئيس وزراء مسيحي في تاريخ مصر، وداوود بركات والذي تولى رئاسة تحرير صحيفة “الأهرام”.

تاريخ لا ينتهي

اليوم لم تعد حارة السقايين مجرد شارع ضيق يحمل لافتة حجرية في القاهرة القديمة، بل شهادة حيّة على عصر مضى، ورمزًا لذاكرة اجتماعية وثقافية، حيث تختزن بين شوارعها وجدرانها قصصًا عن مهنة لم يعد لها وجود في عصرنا الحالي، وشخصيات أثرت في تاريخ مصر الفني والسياسي، وحكايات تملؤها رائحة التاريخ ونبض الحياة الشعبية.

فكل من يزور الحارة الأن يشعر بأن المكان ما زال حيًا، وأن اسمه يحمل دلالات أعمق من كونه مجرد جغرافيا تمثل جانبًا من هوية القاهرة الشعبية، أو مكانًا جمع بين الماء والحياة والفن والسياسة، ورغم مرور الزمن وتغير المهن واختفاء السقايين، إلا أن اسمها سيظل محفورًا في وجدان المصريين كرمز للعطاء وعبق التراث الشعبي.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.