dhl
dhl

من بينها الأرابيسك والفخار.. صناعات مصرية على حافة النسيان

نهاد شعبان:

من قلب الشوارع القديمة والحارات الشعبية، تخرج أصوات المطارق وأدوات الحرفيين وكأنها موسيقى الزمن العتيق، صناعات يدوية مصرية حملت ملامح الهوية لقرون، وكانت جزءًا من حياة المصريين اليومية، لكنها اليوم تواجه خطر الاندثار، تحت وطأة التغيرات الاقتصادية وضعف الإقبال وغياب الدعم.ففي أزقة القاهرة القديمة، وبين حواري خان الخليلي، أو في قرى المحلة الكبرى وسيناء وأسوان، ما زالت هناك ورش صغيرة تحاول أن تبقى على قيد الحياة، ورش لا تملك آلات عملاقة ولا استثمارات ضخمة، بل تملك تاريخًا وحرفًا ضاربة الجذور في التراث المصري، هذه الصناعات اليدوية التي طالما ارتبطت بالهوية والثقافة، تواجه اليوم خطر الاندثار وسط تغيرات اجتماعية واقتصادية جذرية.

ذاكرة الحرفيين

من بين الصناعات التي تترنح على حافة النسيان النحاسيات، تلك الأواني والتحف التي طالما زيّنت بيوت المصريين، والأرابيسك الذي يزيّن النوافذ والأبواب ويُعد علامة للفن الإسلامي في القاهرة التاريخية، وهناك أيضًا الفخار الذي تميزت به ورش الفسطاط منذ عصور الفراعنة، والكليم والسجاد اليدوي في المحلة الكبرى وسيناء الذي كان فخر البيوت الريفية، ولا ننسى الجلود التي اشتهرت بها منطقة مجرى العيون، والخيامية التي تعكس أصالة الحرف الشعبية المصرية وتُزيّن خيام الأفراح والمناسبات، هذه الصناعات ليست مجرد مهن عادية، بل تحمل قصص أجيال كاملة تناقلتها يدًا عن يد، حتى أصبحت جزءًا من هوية المكان وسرديته.

أسباب التراجع

التحديات التي تواجه هذه الحرف متعددة، أولها المنافسة القاسية مع المنتجات المستوردة الأرخص ثمنًا، والتي تُغرق الأسواق بسلع تشبه الأصيلة لكنها بلا روح، أيضًا غياب التسويق الحديث، إذ ما زال كثير من الحرفيين يعتمدون على البيع المحلي المحدود، بينما يحتاجون اليوم إلى الانفتاح على أسواق أوسع عبر التجارة الإلكترونية والمعارض الدولية.كما أن عزوف الشباب عن تعلم هذه الحرف يمثل خطرًا أكبر، فمعظم الورش يديرها رجال تجاوزوا الخمسين أو الستين من العمر، ولا يجدون من يتسلم الراية بعدهم، والسبب في ذلك أن هذه الحرف مجهدة جسديًا ولا توفر عائدًا ماديًا كافيًا، مقارنة بالوظائف الحديثة، يضاف إلى ذلك ضعف الدعم الحكومي والرسمي، سواء في التمويل أو التدريب أو تسهيل فرص التصدير.

انعكاسات اقتصادية خسارة هذه الصناعات لا تُعني فقط تراجع قطاع اقتصادي مهم، بل ضياع جزء من الهوية الثقافية لمصر، فالنحاسيات ليست مجرد أدوات منزلية، بل أعمال فنية تُحاكي الزخارف الإسلامية، والأرابيسك يعكس دقة الحرفي المصري وفنه المتوارث، أما صناعة الفخار، فهي امتداد لحضارة عمرها آلاف السنين، بينما السجاد اليدوي والكليم يعكسان ثقافة الفلاحين والبدو، ويحملان رموزًا من البيئة والطبيعة.

اقتصاديًا، يمكن لهذه الصناعات أن تكون مصدر دخل ضخم إذا جرى الاهتمام بها، إذ إن الأسواق العالمية تتعطش للمنتجات اليدوية الأصيلة، لكن تراجعها يحرم مصر من مورد اقتصادي وسياحي كبير، حيث كان السياح يقبلون على شراء هذه المنتجات كتذكارات تحمل روح المكان.

مبادرات فردية وجماعية

رغم قتامة المشهد، ما زالت هناك محاولات لإنقاذ هذه الحرف، حيث تدعم وزارة الثقافة بعض بيوت التراث مثل بيت السناري وبيت السحيمي لتعليم الصناعات اليدوية للشباب، فيما دشنت وزارة التضامن منافذ بيع لمنتجات الأسر المنتجة والحرف اليدوية.

الجمعيات الأهلية أيضًا تلعب دورًا بارزًا، مثل جمعية “حرفيون من أجل التراث”، التي تنظّم ورش تدريب ومعارض للتسويق، وكذلك مبادرات شبابية على وسائل التواصل الاجتماعي تروّج للمنتجات عبر الإنترنت، بعض المدن أيضًا أعادت إحياء ورشها؛ ففي المحلة الكبرى، يعمل شباب على تسويق السجاد اليدوي للعالم عبر المتاجر الإلكترونية، بينما في أسوان لا تزال النساء يبدعن في صناعة الخوص والكليم، ويجدن دعمًا من منظمات دولية.

حكايات أجيال الصناعات اليدوية في مصر ليست مجرد بضائع تُباع وتشترى، بل حكايات أجيال وروح بلد يمتد عبر التاريخ، وإذا تركناها تندثر، نخسر معها ليس فقط فرصًا اقتصادية، بل أيضًا هويتنا الثقافية، لكنها في الوقت نفسه فرصة لإعادة بناء علاقة جديدة بين التراث والحاضر، عبر الدعم الرسمي، والمبادرات الشعبية، والتكنولوجيا الحديثة.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.