القاهرة – نهاد شعبان:
في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية ساحةً مفتوحة لملايين المقاطع اليومية، تتفاوت بين الترفيه السريع والمحتوى العابر، برزت في مصر مجموعة من صُنّاع المحتوى الذين اختاروا طريقًا مختلفًا يمزج بين التثقيف والتشويق، ويقدم جرعة معرفة قادرة على جذب جمهور واسع من الشباب، من بين هؤلاء يبرز أحمد الغندور المعروف بـ”الدحيح”، وسامح سند، وريهام عياد، إلى جانب آخرين أصبحوا أيقونات للمحتوى الهادف في العالم العربي.
أحمد الغندور “الدحيح”
أحمد الغندور، أو “الدحيح”، ربما يكون الاسم الأكثر شهرة في مجال المحتوى العلمي العربي، بدأ رحلته من قناة صغيرة على يوتيوب عام 2014، ليصبح خلال سنوات قليلة من أبرز المؤثرين في المنطقة، اعتمد على أسلوب بسيط يجمع بين الكوميديا والقصص اليومية وربطها بمفاهيم علمية وفلسفية معقدة.ببرنامجه، تمكن من كسر الصورة النمطية عن “العلوم الجافة”، وحول الفيزياء والبيولوجيا والتاريخ إلى حكايات مشوقة يتابعها الملايين، وقد تعاون مع منصات كبرى مثل AJ+ وShahid.net، وحصل على إشادات واسعة، بل وصُنف ضمن أكثر الشخصيات تأثيرًا في العالم العربي، كما أن إنجازاته تؤكد أن العلم يمكن أن يصل إلى الناس بنفس سهولة الترفيه.
سامح سند، مخرج سابق تحول إلى صانع محتوى رقمي، اختار أن يقدم للجمهور محتوى قصصي توثيقي، عبر برامجه مثل “القصة كاملة”، يغوص في حكايات غامضة أو وقائع تاريخية منسية، بأسلوب سردي مشوق مدعوم بلغة بصرية قوية.ترك مجال الإخراج التقليدي حين شعر أن المحتوى الرقمي يتيح له مساحة أوسع للتأثير، وبالفعل، استطاع أن يصنع لنفسه قاعدة جماهيرية من الشباب الباحثين عن المعرفة، بعيدًا عن الصخب المعتاد على السوشيال ميديا، ما يميز “سند” أنه يقدم القصة كرحلة، لا كمجرد معلومات، مما جعل محتواه يحظى بقبول واسع ويُدرس كنموذج للمزج بين الصحافة الوثائقية وصناعة المحتوى.
ريهام عياد
وسط هذا المشهد، تبرز ريهام عياد، كأحد أهم الأصوات التي اختارت أن تنقل التاريخ إلى الحاضر، ببرامجها مثل “الحكاية وما فيها”، استطاعت أن تُعيد سرد قصص التاريخ المصري والعالمي بلغة معاصرة، مستخدمة أدوات بسيطة وصوتًا روائيًا آسِرًا، يجعل المشاهد يعيش الحدث وكأنه أمامه.ما يميز ريهام أنها استطاعت تحويل التاريخ من مادة دراسية مملة إلى محتوى ترفيهي تثقيفي، فتناولها للحوادث والوقائع لا يقتصر على السرد، بل يتضمن تحليلًا وقراءة نقدية للأحداث، ما جعلها مصدرًا موثوقًا للعديد من الشباب الذين يبحثون عن المعرفة بعيدًا عن الكتب التقليدية، كما تتمتع بأسلوب يشجع المتابعين على التفكير النقدي وربط الماضي بالحاضر.
نسب مشاهدة مرتفعة
تأثير هؤلاء يتجاوز نسب المشاهدة المرتفعة، فالمحتوى الذي يقدمونه يعزز ثقافة البحث والتفكير لدى الشباب، ويمنحهم بدائل حقيقية أمام سيل المحتوى السطحي، كما أن تجاربهم فتحت الباب لآخرين كي يسلكوا مسارًا مشابهًا، ما أسهم في توسيع دائرة “المحتوى الهادف” على الإنترنت العربي، وقد أصبح هؤلاء الصناع يُمثلون صورة جديدة للإعلام المصري، الذي خرج من إطار الشاشات التقليدية إلى فضاء رقمي حر، أكثر قربًا من الجمهور وأكثر قدرة على التفاعل معه.
أحمد الغندور، سامح سند، وريهام عياد، ليسوا مجرد صناع محتوى عاديين، بل روادًا لمسار جديد في الإعلام الرقمي العربي، بأساليب مختلفة، استطاعوا أن يبرهنوا أن المعرفة يمكن أن تكون ممتعة، وأن التاريخ يمكن أن يصبح قصة مشوقة، وأن العلم قد يُروى بلسان ساخر، هؤلاء هم الواجهة المضيئة لمشهد رقمي مليء بالتحديات، لكنهم أثبتوا أن المحتوى الهادف قادر على المنافسة، بل وعلى إحداث تغيير حقيقي في وعي الأجيال الجديدة.




