dhl
dhl

صحافة تحت النار: لماذا أنهت رويترز مرافقة الجيش الإسرائيلي في غزة؟

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

في خطوة غير مسبوقة داخل واحدة من أعرق المؤسسات الإعلامية في العالم، أعلنت وكالة رويترز وقف ترتيبات التغطية عبر المرافقين العسكريين مع الجيش الإسرائيلي داخل قطاع غزة، بعد سلسلة من الحوادث الدموية التي طالت الصحفيين ومكاتب الإعلام خلال الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023.

القرار لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة دراسة داخلية متأنية لخطورة الوضع الميداني، خاصة بعد أن تزايدت الانتقادات لآلية “الانخراط العسكري” التي تضع المراسلين تحت رقابة الجيش وتقيّد حركتهم. ومع ارتفاع عدد ضحايا الصحفيين إلى أكثر من 240 صحفيًا فلسطينيًا منذ بداية الحرب، بدا من المستحيل الاستمرار بنفس النهج.

الضربة التي غيرت المشهد

التحول الأكبر حدث في 25 أغسطس 2025، حينما استهدفت غارة جوية إسرائيلية مستشفى ناصر في خان يونس، حيث كانت غرفة بث مباشر لرويترز ووكالات أخرى. القصف أسفر عن مقتل المصور الصحفي حسين المصري وعدد من زملائه.

هذه الحادثة لم تكن مجرد خسارة فردية، بل صفعة صادمة طالت مهنة الصحافة بأكملها.ومن داخل الوكالة نفسها، برزت أصوات معترضة.

المصورة الكندية فاليري زينك، التي عملت مع رويترز 8 سنوات، أعلنت استقالتها عبر وسائل التواصل، ووصفت تغطية غزة بأنها “خيانة للصحفيين”، مؤكدة أن الوكالة أصبحت تسهّل، ولو بشكل غير مباشر، استهداف الصحفيين وقتلهم. تصريحاتها أثارت جدلًا واسعًا، وكشفت حجم الاحتقان داخل الوسط الإعلامي الدولي.

تضامن دولي وضغط إنساني

لم تكن رويترز وحدها في الواجهة. ففي يوليو الماضي، أصدرت الوكالة مع مؤسسات كبرى مثل AFP، AP، وBBC بيانًا مشتركًا عبّرت فيه عن قلق بالغ تجاه أوضاع الصحفيين في غزة الذين يواجهون خطر المجاعة إلى جانب خطر الموت بالقصف. كما طالبت منظمات مثل مراسلون بلا حدود ولجنة حماية الصحفيين بفتح المجال لوسائل الإعلام الأجنبية للدخول بحرية إلى القطاع وتوفير حماية عاجلة للصحفيين.

ما وراء القرار

إيقاف التغطية مع الجيش الإسرائيلي ليس مجرد إجراء مهني، بل هو اعتراف صريح بفشل منظومة الحماية التقليدية للصحفيين في مناطق النزاع. فالصحافة التي وُجدت لنقل الحقيقة من قلب الأحداث، أصبحت نفسها هدفًا للرصاص والقذائف. هذا القرار ليس مجرد حركة تكتيكية، بل فجر صحفي يعلن أن الحماية للأسف ليست مضمونة إن لم تكن الصحافة حرة ومستقلة. إنه لحظة فاصلة تطرح أسئلة عن حدود العمل الإعلامي في ساحات القتال الحديث.

بين ركام المباني في غزة، لا تُدفن فقط أرواح المدنيين، بل تُدفن أيضًا كاميرات الصحفيين التي لم تسعَ سوى لتوثيق الحقيقة. قرار رويترز خطوة نحو إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكنه يترك وراءه سؤالًا أكبر: من يحمي أولئك الذين اختاروا أن يكونوا شهودًا على الألم الإنساني؟الجواب ما زال معلقًا، بينما تبقى صور الضحايا وأصواتهم أبلغ من أي تقرير أو بيان.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.