عندما أقرّ الكونجرس قانون الاستثمار في البنية التحتية والوظائف في أواخر عام 2021، كان التضخم لا يزال يُوصَف بأنه «مؤقت»، وكانت أسعار الفائدة قريبةً من الصفر، وكان عشرات الملايين من الأميركيين يفتقرون إلى إمكانية الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة. حذّر المشرّعون من أن استثماراً فيدرالياً ضخماً وحده كفيلٌ بسد الفجوة الرقمية.وقد جاء هذا الاستثمار على شكل برنامج «الوصول إلى ونشر النطاق العريض» (BEAD) بقيمة 42 مليار دولار، وهو أكبر مبادرة أميركية للنطاق العريض حتى الآن. لكن حدث ما لم يكن متوقعاً؛ فبينما غرق البرنامج في البيروقراطية، وخضع لإجراءات إدارية طويلة وقواعد أهلية متغيرة، بدأ القطاع الخاص بالتحرك. ووفقاً لبحث أجرته مجموعتنا في كلية نيويورك للقانون، فقد وسّع مزوّدو خدمات الإنترنت بشكل كبير نطاقَ الوصول عالي السرعة خلال السنوات القليلة الماضية، حيث وصلوا إلى ملايين المنازل الجديدة، وخفضوا عددَ الأسر التي لا تتوفر لها خدمة إنترنت عريض النطاق بنسبة 65%، وكل ذلك قبل أن يبدأ أي مشروع مموّل من برنامج BEAD فعلياً.إنه تحوّل لافت، ويطرح سؤالاً: هل ما زلنا بحاجة إلى برنامج BEAD؟ الإجابة المختصرة هي نعم، ولكن ليس بالطريقة التي تصوّرها العديد من مسؤولي إدارة بايدن في البداية. فما كان يُسوَّق له باعتباره حزمة إنقاذ للمجتمعات الريفية والمحرومة أصبح اليوم مكمِّلاً لسوق يؤدي وظيفتَه إلى حد كبير.وبدلاً من التظاهر بغير ذلك، يجب على المسؤولين الفيدراليين والولايات التعامل مع البرنامج على أنه أداة لسدّ الثغرات القليلة المتبقية في خريطة النطاق العريض، وليس إعادة تشكيل السوق. يستحق القطاع الخاص النصيب الأكبر من الفضل في هذا التحوّل. فقد استثمر مزوّدو خدمات الإنترنت، الكبار والصغار، أكثر من 90 مليار دولار سنوياً خلال الأعوام الماضية لتوسيع شبكاتهم وتحديثها. لقد خاطروا واعتمدوا تقنياتٍ جديدةً، بما في ذلك أنظمة الاتصال اللاسلكي الثابت في المنازل، وتنافسوا للحصول على دعم موجّه من برامج أصغر مثل صندوق الفرص الرقمية الريفية، والمبادرات المموّلة من خطة الإنقاذ الأميركية، وبرامج نشر النطاق العريض على مستوى الولايات.وفي حين أن البيانات قد تكون متضاربة، تشير تحليلاتنا لنشر النطاق العريض في جميع الولايات الخمسين إلى أن معظم الاتصالات الجديدة منذ عام 2021 أنشأها مزوّدو خدمات إنترنت من القطاع الخاص، وغالباً في أماكن كان يُنظر إليها سابقاً على أنها نائية أو غير مربحة. واللافت أنه خلال هذه الفترة من الانتشار السريع، ومع ازدياد المنافسة في سوق النطاق العريض واستمرار ارتفاع سرعات الإنترنت، بقيت فواتير الإنترنت الشهرية ثابتة أو حتى انخفضت.وهذا يتناقض بشكل حاد مع القطاعات الأساسية الأخرى حيث لم يمنع التدخل الحكومي ارتفاع الأسعار بشكل حاد. ففي قطاع الكهرباء الخاضع للتنظيم الشديد، على سبيل المثال، ارتفعت فواتير العملاء بنسبة 13% منذ عام 2022 وما زالت في ازدياد. وفي الوقت ذاته، حصلت مؤخراً البنيةُ التحتية للطاقة في البلاد، أي قدرتها على نقل الطاقة للمستخدمين، على تقدير D+ من الجمعية الأميركية للمهندسين المدنيين.ويبدو أنها غير كافية لمواكبة طفرة الذكاء الاصطناعي. وعند مقارنة ذلك بالتضخم المستمر في قطاعات أخرى، فإن أداء صناعة النطاق العريض كان رائعاً بكل المقاييس. وهذا لا يعني إلغاء برنامج BEAD، بل يجب أن يعكس تنفيذه واقع اليوم واحتياجات الغد، لا افتراضات الأمس. إنه يعني أن يكون شديد الكفاءة، لا رخيصاً.فمع بقاء عدد قليل جداً من الأسر المحرومة، يجب أن تمتلك العديد من الولايات ما يكفي لإنجاز المهمة، وألا تُجبر على تقديم منح لمزوّدين أو منصات بلا سجل موثوق. كما يجب أن توجِّه الولاياتُ التمويلَ فقط إلى المناطق التي تفتقر حقاً إلى الخدمة، وأن تتجنب دعم المشاريع في الأماكن التي تؤدي فيها الشبكات الحالية بالفعل عملَها. ويعني ذلك أيضاً إعادة النظر في دور شبكات النطاق العريض المملوكة للحكومة. فهذه المشاريع الممولة من أموال دافعي الضرائب كانت من قبل يتم تصويرها على أنها حل لفشل السوق.لكن ماذا يحدث عندما يُظهر السوق أنه يعمل من تلقاء نفسه؟ إن ضخ المزيد من الأموال العامة في الشبكات الحكومية، خاصة في الأماكن التي يبني فيها مزوّدو القطاع الخاص بالفعل، يهدد بإهدار المال وتكرار الخدمات وتشتيت الانتباه عن الفجوات الحقيقية المتبقية. وما هو أسوأ، أنه قد يضع الحكومات المحلية في حلقة مفرغة من الديون وسوء الإدارة. فإدارة شبكة للنطاق العريض أمر معقد ومكلف.وتعاني حكومات عديدة صعوبة مواكبة أعمال الصيانة، وتفشل في جذب عدد كافٍ من العملاء، ما يستدعي تقديم إعانات عامة لاستمرارها. ويمكن أن يخلق هذا حلقةً سلبيةً من ارتفاع تكاليف التشغيل، وجمود الإيرادات، وإنقاذ دافعي الضرائب لها. فالحكومات المحلية لا تملك رفاهيةَ طباعة النقود لسداد ديونها. وبدلاً من دعم هذه الأنظمة، يجب على صانعي السياسات مضاعفة الجهود المبذولة فيما يجدي نفعاً. أي استخدام برنامج BEAD لتسريع الاستثمار الخاص – لا استبداله – ووضع قواعد واضحة لتجنُّب الازدواجية.كما يجب تمكين العائلات ذات الدخل المنخفض من الاتصال بالشبكات فوراً بعد بنائها، وهو ما كان يفعله بفاعلية برنامجُ الاتصال ميسور التكلفة قبل نفاد تمويله في مايو 2024. لم يكن سدّ الفجوة الرقمية يوما مهمة سهلة، لكنه يتحقق بوتيرة أسرع من المتوقع وبطرق لم يتنبأ بها الكثيرون.والخلاصة بسيطة: في مجال النطاق العريض، كما في أجزاء كثيرة من الاقتصاد، لا تزال الابتكارات والمنافسة تتفوق على الأوامر والبيروقراطية، بينما يقوم القطاع الخاص بتوضيح الطريق للمضي قدماً.. وعلى صانعي السياسات ألا يقفوا في طريقه.


