dhl
dhl

“مدارس بلا تلاميذ.. حكايات الصمت في الفصول المهجورة”

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

في أطراف المدن والقرى المصرية، تقف مبانٍ ضخمة صامتة كانت يوماً تضج بأصوات الأطفال وضحكاتهم. نوافذ محطمة، أبواب مخلعة، وجدران تحكي بصمت عن زمن مضى. هذه هي المدارس المهجورة التي خرجت من دائرة التعليم إلى دائرة النسيان، لتصبح شاهداً على التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي مر بها المجتمع المصري.المدرسة في الذاكرة الشعبية ليست مجرد مبنى، بل رمز للطفولة والذكريات الأولى.

لذلك فإن رؤية مدرسة خالية من التلاميذ تحمل في طياتها حزناً خاصاً، وكأن الزمن قرر أن يوقف ساعته هناك. في بعض القرى، أُهملت المدارس بسبب هجرة السكان أو ضعف الكثافة السكانية، وفي مناطق أخرى تحولت المدارس القديمة إلى أطلال بعدما بُنيت مدارس حديثة، لكن دون أن تمتد إليها يد التطوير أو إعادة الاستخدام.

في قرية صغيرة بمحافظة المنيا، يقف مبنى مدرسة قديمة وسط الحقول، جدرانها متشققة لكن لافتة اسمها ما زالت باقية. يحكي أحد الأهالي أنه تعلّم هناك الحروف الأولى منذ ثلاثين عاماً، وأن المدرسة كانت مركزاً لكل المناسبات في القرية، حتى حفلات تكريم المتفوقين كانت تُقام في فناءها.

اليوم، يمر الرجل بجوارها ممسكاً بيد ابنه الصغير، فيسأله الطفل بدهشة: “بابا.. ليه المدرسة مقفولة؟” فيتلعثم الأب باحثاً عن إجابة لا يجدها.هذه المدارس المهجورة ليست بلا حكايات. فكل جدار فيها شهد قصص أجيال كاملة تعلمت الحروف الأولى على مقاعدها الخشبية.

بعض الأهالي يمرون بجوارها يومياً فيتذكرون طفولتهم، بينما ينظر الأطفال الصغار إليها بتساؤل: لماذا لا نتعلم نحن هنا؟

وفي حي شعبي بالقاهرة، تقف مدرسة ابتدائية قديمة أُغلقت بعد بناء مدرسة حديثة قريبة. المبنى لم يُهدم ولم يُستخدم، فتحوّل إلى مأوى للقطط والطيور، وأصبح مصدر خوف للأهالي من أن يستغله الخارجون عن القانون. يروي سكان المنطقة أنهم تمنوا لو تحوّل المبنى إلى مكتبة عامة أو مركز دروس مجاني، بدلاً من أن يظل مجرد أطلال.وفي الإسكندرية، على مقربة من البحر، توجد مدرسة قديمة بُنيت في بدايات القرن العشرين.

بعض المثقفين هناك ينظرون إليها باعتبارها جزءاً من التراث المعماري، فهي تحمل طابعاً أوروبياً فريداً. ومع ذلك، لم تجد هذه المدرسة نصيبها من الترميم أو إعادة الاستخدام، فبقيت مهجورة رغم قيمتها التاريخية.

علماء الاجتماع يرون أن المدارس المهجورة تكشف خللاً في إدارة الموارد. ففي بلد يحتاج إلى كل مساحة تعليمية، من المؤلم أن تُترك هذه الفصول خالية بينما تعاني مدارس أخرى من التكدس والفصول المزدحمة.

إن إعادة إحياء هذه المباني قد يخفف من معاناة آلاف الطلاب، خاصة في القرى والمناطق النائية.وليس الجانب التعليمي وحده ما يلفت النظر، بل أيضاً الجانب الإنساني. فالمدرسة كانت مركزاً للحياة الاجتماعية في القرية، مكاناً يجتمع فيه الناس في المناسبات والاحتفالات.

غيابها ترك فراغاً واضحاً في روح المكان. لذلك فإن إحياء هذه المدارس ليس مجرد قرار إداري، بل هو استعادة لجزء من ذاكرة المجتمع نفسه.المدارس المهجورة، رغم صمتها، تروي الكثير عن حاضرنا. إنها تقول إننا نملك الإمكانات لكننا لا نستثمرها، وإننا نترك الذاكرة تتآكل ببطء.

وبينما ينظر طفل إلى أبواب مدرسة مغلقة متسائلاً: “لماذا لا أتعلم هنا؟” يبقى السؤال الأعمق موجهاً إلينا جميعاً: متى نعيد لهذه الفصول صوت التلاميذ من جديد؟

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.