dhl
dhl

من الأفراح للمآتم.. طقوس صعيدية تتحدى الاندثار

القاهرة – نهاد شعبان:

تعتبر صعيد مصر خزانا زاخرا بالثقافة الشعبية والعادات المتوارثة التي صمدت أمام تغيرات الزمن، فهو عالم قائم على قيم الكرم، الشهامة، والتكافل الاجتماعي، وفيه لا تمثل المناسبات مجرد أحداث عابرة، بل هي مواقف اجتماعية كبرى تظهر قوة الروابط بين الأفراد والجماعات، من الأفراح التي تتسم بالبهجة والاحتفالية، إلى المآتم التي يخيم عليها الحزن والوقار، تظهر طقوس الصعيد باعتبارها موروثا حيا يواجه خطر التراجع لكنه يصر على الاستمرار.

الأفراح في الصعيد ليست شأنا خاصا يقتصر على أسرة العريس أو العروس، بل هي حدث يشارك فيه أهل القرية بأسرها، وتكتسب طقوسها طابعا جماعيا يبرز روح التعاون والتضامن، فهناك ما يعرف باسم الليلة الكبيرة، وغالبًا ما تسبق يوم الزفاف، وتتحول إلى مهرجان شعبي مفتوح، حيث تضاء الساحات بالفوانيس، وتقام حلقات التحطيب حيث يتبارى الرجال في المبارزة بالعصا وسط صيحات التشجيع، كما تصدح الأغاني الشعبية التي تتغنى بالكرم والشجاعة.

وفي الصعيد هناك ما يعرف بالزفة الصعيدية، وتختلف عن زفات المدن التي تقام في قاعات مغلقة أو سيارات فارهة، إذ تتم سيرا على الأقدام، ويشارك الأهل والجيران في موكب كبير يرافق العروسين بالطبول والزغاريد، بالإضافة إلى الذبيحة والولائم، حيث يعد تقديم الطعام أحد أبرز طقوس الفرح، وفيه تذبح الذبائح وتطهى الولائم، لتقدم للضيوف من القرية وخارجها، وهذه العادة تعبر عن قيمة الكرم التي يفتخر بها أهل الصعيد.

وكما يلتف الصعايدة حول بعضهم في الأفراح، فإنهم يتكاتفون أكثر في أوقات الحزن، فالمآتم في الصعيد لها طقوسها الخاصة التي تعكس عمق الترابط الاجتماعي، ففي المآتم يقيمون السرادق الكبير والذي ينصب أمام بيت المتوفى، ليكون مكان استقبال المعزين، حيث يجلس الرجال في صفوف يستمعون إلى تلاوة القرآن من قراء متخصصين، بينما تتولى النساء استقبال المعزيات في مكان آخر.

ومن أبرز العادات في الصعيد وقت المآتم هي تقديم الطعام للمعزين، حيث تقدَّم الوجبات للضيوف، ويعتبر الامتناع عن ذلك أمرا غير مقبول اجتماعيًا، بعض الأسر تذبح الذبائح لتوزيعها على الحاضرين والفقراء على روح الفقيد، بالإضافة إلى تلاوة القرآن والليالي، حيث يستمر العزاء غالبًا ثلاثة أيام، يتلى فيها القرآن ليلا ونهارا، وفي بعض القرى، تقام ليلة الأربعين أو الذكرى السنوية حفاظا على تقليد الوفاء للميت.

رغم ثبات هذه التقاليد، إلا أنها تواجه عدة تحديات خوفًا من أن يلاحقها خطر الاندثار من بينها الهجرة والتمدن، فالكثير من أبناء الصعيد انتقلوا إلى المدن الكبرى أو الخارج، ما جعلهم يتأثرون بأنماط حياة جديدة تقلل من حضور الطقوس التقليدية، والأعباء الاقتصادية، كارتفاع تكاليف الذبائح وإقامة السرادقات ما دفع بعض الأسر إلى تقليص المظاهر التقليدية، خصوصًا في المآتم، وأيضًا التغيرات الثقافية فالجيل الجديد بات أكثر انفتاحًا على أنماط حداثية في الزواج أو العزاء، مثل إقامة الأفراح في القاعات أو الاكتفاء بالعزاء عبر وسائل التواصل

.ولكن رغم كل هذه التحديات، لا يزال الكثير من طقوس الصعيد صامدًا، والسر في ذلك أن هذه العادات لا تعتبر مجرد مظاهر، بل ترتبط بمنظومة قيمية أعمق من أهمها الكرم، الوفاء، التضامن، لذلك، حتى مع محاولات التحديث، غالبا ما يحتفظ الناس بجوهر هذه الطقوس، فعلى سبيل المثال، قد يختصر الفرح من أسبوع إلى يومين، لكن الزفة الشعبية والوليمة تبقى موجودة، وفي المآتم، قد يتم الاستغناء عن السرادق الضخم لأسباب مادية، لكن عادة تلاوة القرآن ومشاركة أهل القرية تبقى حاضرة.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.