dhl
dhl

جورج إي. بوغدن يكتب: ترامب وإلغاء «قاعدة الحد الأدنى»

في تاريخ سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التجارية الجريئة، لم يحظَ إنجازه بالقضاء على مشكلة كبرى بالاهتمام الكافي، وهذه المشكلة هي قاعدة «الحد الأدنى»، التي أعلن ترامب انتهاءها بالكامل. لفهم ما حدث وأهمية هذا التغيير، علينا تتبع كيف تطورت قاعدة «الحد الأدنى» الغامضة من حل مؤقت في حقبة الكساد إلى مسؤولية في القرن الحادي والعشرين. وعلى مدى عقود، فإن الثغرة، التي ألغت الرسوم الجمركية على الواردات الرخيصة، سمحت لشركات الشحن الأجنبية بإغراق السوق الأميركية بشحنات صغيرة القيمة بلا رسوم جمركية أو تفتيش شامل. وأصدر ترامب أمرًا تنفيذياً الشهر الماضي أنهى الإعفاء لجميع الدول، مؤكداً على المبدأ الأساسي بضرورة خضوع جميع السلع للتدقيق الكامل، ولأحكام القانون الأميركي.وأثار القرار غضب المدافعين عن قاعدة الحد الأدنى، إذ يقولون إن الإعفاء على الطرود الصغيرة سمح للأميركيين بتوسيع قدرتهم الشرائية ودعم الشركات الصغيرة. إلا أن السياسة الجديدة، التي تدخل حيز التنفيذ في 29 أغسطس الجاري، لا تستهدف القضاء على الطرود الصغيرة، بل إعادة إحياء القواعد الأساسية. وتعود قاعدة الحد الأدنى إلى عام 1938، حين أجاز الكونجرس لموظفي الجمارك إعفاء الشحنات التي تقل قيمتها عن دولار واحد (يعادل نحو 23 دولاراً اليوم) من الرسوم، نظراً لتكلفة وإزعاج تحصيلها. لكن مع مرور الوقت تضخمت القاعدة. ففي 1978 رُفع الحد إلى 5 دولارات بسبب التضخم، وفي 1993 إلى 200 دولار لتشجيع تحرير التجارة، ثم في 2015 إلى 800 دولار. (مقارنة بالصين، التي لديها عتبة أقل من 7 دولارات). وكان التأثير كارثياً، فقد ارتفع عدد الواردات زهيدة القيمة إلى الولايات المتحدة عشرة أضعاف، من 134 مليون طرد في 2015 إلى نحو 1.4 مليار في 2024، ما ألحق ضرراً جسيماً بالصناعات الأميركية.ومع تراكم الأدلة على الخسائر، تراجعت شعبية النهج المتساهل، خاصة مع توفر تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية والأتمتة التي جعلت تحصيل الرسوم على كل الشحنات مجدياً اقتصادياً. ويكاد يكون من المستحيل معرفة مقدار تجارة الصين مع الولايات المتحدة التي دخلت تحت إعفاءات الحد الأدنى بدقة، فقد قدر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، الذي يُعنى بدراسة تأثير السياسة التجارية على الاقتصاد، أن هذه الواردات بلغت نحو 200 مليار دولار أميركي بين عامي 2018 و2021. إلا أن بيانات الجمارك الرسمية للحكومة الصينية أفادت بأن صادرات الحد الأدنى إلى الولايات المتحدة بلغت أقل من 21 مليار دولار أميركي. وتعتبر تلك الفجوة دليلاً قاطعاً على التلاعب الإحصائي الأخير. وظهرت عدة أساليب للتحاليل، حيث زور التجار الفواتير أو قُسمت المنتجات إلى شحنات صغيرة مضللة، وأُرسلت عبر دول ثالثة لإخفاء مصدرها. وغالباً ما كانت السلع المستفيدة من الثغرة، مثل الإلكترونيات سيئة الجودة، وتتلف سريعاً، ما يخلط بين الاستهلاك والاستبدال المستمر، ويقضي على المنافسين الأميركيين الملتزمين بالقوانين. ففي 2024، أصدرت لجنة سلامة المنتجات الاستهلاكية الأميركية 63 تحذيراً يتعلق بمنتجات صينية، من مقاعد قابلة للطي تنهار فجأة، إلى مراتب أطفال تشكل خطر اختناق، وبطاريات دراجات كهربائية قابلة للاشتعال. صحيح أن بعض الشركات المصنعة في الخارج تحاول بالفعل التلاعب بالنظام الجديد، حيث إن التحولات الكبيرة المفاجئة في أرقام الصادرات من مارس إلى مايو تشير بقوة إلى أن الشركات المصنعة الصينية تعيد بالفعل توجيه البضائع المتجهة إلى الولايات المتحدة عبر جنوب شرق آسيا، حيث الرسوم الجمركية أقل. كما يلوح في الأفق احتمال حدوث احتيال في تجميع الطرود الصغيرة في شحنة واحدة كبيرة، قد يصعب الامتثال، وقد يُخفي المحتالون البضائع المهربة.غير أن وكالة الجمارك وحماية الحدود الأميركية، أكبر وكالة إنفاذ قانون في أميركا، أثبتت قدرتها على مواجهة تلك التحديات، مدعومة بخطة ترامب لتوظيف 3000 موظف جمارك إضافي لتعقب سلاسل التوريد المعاد توجيهها، وتفكيك شبكات الاحتيال، وتطبيق القانون الأميركي. وهذا الإجراء التنفيذي ليس الفصل الأخير، بل هو بداية فصل جديد، فهو يرسخ عودة الجدية إلى السياسة التجارية الأميركية.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.