القاهرة – نهاد شعبان:
مع اقتراب كل عام دراسي جديد، يتغير الحال في شارع الفجالة بالقاهرة، زحام لا يهدأ، أكوام من الكتب والكراسات، وأصوات تتداخل بين مساومات الباعة ونداءات الأهالي، فيما يلهو الأطفال باختيار الحقائب والألوان، كل ذلك يدور في هذا الشارع الضيق قرب ميدان رمسيس.
يصف التجار هذه الفترة من العام في الفجالة بـ”الموسم”، حيث يقول محمد سامي، أحد أصحاب المكتبات:” إحنا طول السنة بنستنى الأيام دي، الناس بتيجي من كل المحافظات علشان تشتري من الفجالة لأن أسعارها رخيصة”، مضيفا أن المنافسة الشديدة بين المكتبات تجعل الأسعار في متناول أغلب الأسر، حتى في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، ورغم أن الأسواق الكبرى ومراكز التسوق أصبحت توفر مستلزمات الدراسة، إلا أن كثيرًا من أولياء الأمور يصرون على زيارة الفجالة باعتبارها أرخص وأشمل.
وليست الأسعار وحدها ما يجذب الأسر، بل الذاكرة أيضًا، حيث تقول منال محمود، أم لطفلين في المرحلة الابتدائية:” أول مرة دخلت الفجالة وأنا صغيرة مع والدي، حسيت إن لازم أجيب ولادي هنا يعيشوا نفس التجربة”، مشيرة إلى أن اختيار الكراسات والأقلام بنفسها كان دائمًا لحظة سحرية في طفولتها، وهذه الذكريات جعلت من الفجالة طقسًا سنويًا للأسر المصرية، حيث تختلط الحكايات القديمة بمشاعر البهجة التي يعيشها الأطفال اليوم.
ورغم أن اسم الفجالة ارتبط بالكتب المدرسية، إلا أنها تحمل بُعدًا آخر يجهله البعض، فطلاب الدراسات العليا والباحثون يقصدونها بحثًا عن مراجع قديمة أو طبعات نادرة لا تُباع في المكتبات الحديثة، حيث يقول محمد جمال، أحد طلاب الماجستير:” دورت شهور على كتاب في مكتبة الجامعة وما لقيتوش.. في الآخر لقيته هنا في الفجالة نسخة قديمة لكن بحالة كويسة وبسعر معقول”، موضحًا أن بعض المكتبات تحولت إلى “مغارات” مليئة بالكنوز الورقية.
كما تعتبر الفجالة أيضًا مثالًا حيًا على الاقتصاد الشعبي في مصر، حيث توجد عشرات المحال الصغيرة، وأجيال من العائلات ورثت التجارة عن أجدادها، ومئات العمال الذين يعتمدون على هذا الموسم القصير لتأمين مصدر رزقهم، لكن رغم ذلك السوق لا يخلو من التحديات، فالزحام الخانق وصعوبة المواصلات يجعلان بعض الأسر تتجه إلى الشراء عبر الإنترنت، ومع ذلك، يظل للتجربة الميدانية في الفجالة بريق خاص لا توفره شاشات الهواتف المحمولة.
ومع تزايد التكنولوجيا الحديثة وبيع كل المستلزمات الدراسية والورقية عبر مواقع الإنترنت، يظل السؤال هل تستطيع الفجالة الصمود أمام التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية؟، حيث يرى كثيرون أن المكان سيتطور لكنه لن يختفي، لأنه تحول إلى رمز وذاكرة لا تخص جيلا واحدا، بل أجيالا متتالية.





