القاهرة – نهاد شعبان:
أن تصبحين أما أو تصبح أبا حلم يراود آلاف الأزواج، لكن الطريق إليه ليس دائما سهلا، فالعقم أو تأخر الإنجاب يدفع الكثيرين إلى طرق أبواب عمليات الحقن المجهري، التي ظهرت كمعجزة طبية في ثمانينيات القرن الماضي، لكنها اليوم تحولت إلى تجارة مربحة تداخلت فيها أحلام الأسر مع أرباح بعض المراكز الخاصة.
منى سيد – 34 عاما- إحدى ضحايا الحقن المجهري قالت:” لفيت على دكاترة كتير، وكل واحد بيقول كلام مختلف، في الآخر عملت الحقن المجهري مرتين، وفي كل مرة تفشل المحاولات، والأصعب من كدا إن التكلفة بتكون عالية جدا”، وأضافت أن:” المحاولة الواحدة تكلفتها أكتر من ٦٠ ألف جنيه، بخلاف الأدوية والفحوصات”، وهذا الأمر لا يحدث مع منى فقط، فقصتها تتكرر مع آلاف الأسر التي تدفع الغالي والنفيس من أجل طفل ينهي رحلة الانتظار.
أما ريهام مجدي – 40عاما- فلم يختلف حالها عن منى، حيث فقالت بمنتهى الحسرة:” مريت بالتجربة دي أكتر من مرة والدكتور قالي نسبة النجاح عندك 80 % ، وصدقته لأننا كنا محتاجين أي أمل نتعلق بيه، لكن لما فشلت كل المحاولات حسيت إني اتضحك عليا، لأن محدش قال إن النسبة دي مستحيلة أصلا”.
والحقن المجهري يعد إحدى أهم تقنيات علاج العقم، حيث يتم حقن الحيوان المنوي مباشرة داخل البويضة في المعمل، ثم تُعاد البويضة المخصبة إلى رحم الأم، وتتراوح نسبة النجاح عالميًا بين ٣٠ و٤٥٪ حسب عمر الزوجة وحالتها الصحية، لكن في مصر، ومع زيادة الطلب، تحولت هذه التقنية إلى مجال تجاري مربح، فالمراكز الخاصة باتت تتنافس ليس فقط بالخبرة الطبية، بل أيضًا بالإعلانات المزيفة والعروض التي تستهدف عواطف الأزواج.
وفي جولة على بعض المراكز بالقاهرة والجيزة، سيتضح التفاوت الكبير، حيث أن بعض العيادات تعرض باقات تبدأ من ٤٠ ألف جنيه، بينما تصل أخرى إلى ١٢٠ ألفًا وأكثر، وتشمل الأسعار غالبًا العملية، لكن الأدوية والتحاليل تحسب بشكل منفصل، ما يضاعف التكلفة النهائية، حيث يؤكد الدكتور محمد حمدي، استشاري أمراض النساء أن:” التكلفة الفعلية جزء منها مبرر بسبب ارتفاع أسعار الأدوية المستوردة والأجهزة الحديثة، لكن هناك مراكز تستغل لهفة الناس وبتبالغ بشكل كبير”، لافتًا إلى أن:” سبب حدوث الأمر هو غياب الرقابة الصارمة مما يفتح الباب للممارسات التجارية”.
والمشكلة لا تعتبر في المال وحده، بل في الضغط النفسي المصاحب، فالأزواج يعيشون بين أمل النجاح وخوف الفشل، والكثير من الأسر تبيع ممتلكات أو تستدين لتغطية تكلفة المحاولة، ثم تنهار نفسيًا إذا لم تنجح، حيث قالت هبة -٢٩ عاما-:” بعد فشل المحاولة الأولى، حسيت إني مش قادرة أكمل، لا جسمي ولا نفسيتي ولا جيبي مستحملين”، مضيفة أن:” نظرة إللي عايشين حواليك في المجتمع بتزود من الألم، خاصة حين يقتصروا دور المرأة في الإنجاب فقط”.
وما يزيد من الأزمة أنه في العديد من الدول، تتحمل الدولة جزءًا من تكلفة الحقن المجهري عبر التأمين الصحي، لكن في مصر، يظل العبء الأكبر على الأسرة، باستثناء مبادرات محدودة في بعض المستشفيات الجامعية، على الرغم من أن إدماج الحقن المجهري ضمن برامج التأمين الصحي يمكن أن يخفف الضغط عن الأسر، ويحد من استغلال بعض المراكز الخاصة.





