القاهرة – نهاد شعبان:
حين تخطو أولى خطواتك داخل شارع المعز لدين الله الفاطمي، تشعر وكأنك عبرت بوابة زمنية تعود بك إلى ما يقارب الألف عام، ففي قلب القاهرة التاريخية، يقف الشارع كأنه متحف مفتوح، يحفظ بين جدرانه وحجارته ذاكرة مدينة عريقة، ويجسد واحدا من أهم الشواهد على عظمة العمارة والفن في مصر الإسلامية.يقع شارع المعز في منطقة الجمالية، ويمتد لمسافة تقارب الكيلومتر، لكنه يختصر قرونا من التاريخ، بني في عهد الدولة الفاطمية عام 969 ميلادية ليكون شريانا رئيسيا للقاهرة الفاطمية، ويضم بين شوارعه عشرات المباني الأثرية التي تمثل مدارس معمارية مختلفة، فاطمية، مملوكية، عثمانية، وحتى آثار تعود لعصر محمد علي، لذلك ليس غريبا أن يوصف الشارع بأنه أكبر متحف مفتوح للعمارة الإسلامية في العالم.عندما أسس المعز لدين الله الفاطمي مدينة القاهرة، كان الشارع العمود الفقري للمدينة الجديدة، ومع مرور الزمن، تحول إلى سوق نابض بالحياة، يجمع التجار والحرفيين والزائرين من كل أنحاء العالم، ومنذ تلك اللحظة لم ينقطع حضور الشارع في ذاكرة المدينة، بل ظل شاهدا على كل العصور التي مرت بمصر، من الفاطميين إلى الأيوبيين فالمماليك ثم العثمانيين، ومن أبرز معالمه مسجد الحاكم بأمر الله، الذي يعد من أقدم المساجد الباقية في القاهرة، ومسجد الأقمر بواجهته المميزة، وكذلك مدرسة السلطان برقوق، وقبة الصالح نجم الدين أيوب، أما بواباته التاريخية مثل باب الفتوح وباب النصر، فهي شواهد أخرى على عبقرية العمارة الإسلامية وقدرتها على الجمع بين الجمال والدفاع.
خضع شارع المعز خلال العقدين الماضيين لعمليات ترميم شاملة نفذها المجلس الأعلى للآثار، أعادت للمكان بريقه القديم، حيث تم تنظيف الأحجار، ترميم المشربيات والزخارف، وتطوير نظام إنارة ليلي يجعل الشارع يبدو لوحة فنية مضيئة بعد غروب الشمس، واليوم، أصبح المعز مقصدا رئيسيا للسياح الأجانب، إلى جانب المصريين الذين يقصدونه للاستمتاع بروعة المكان أو لالتقاط صور تذكارية بين الجدران التاريخية.المشي في شارع المعز تجربة لا تنسى، تبدأ من عند باب الفتوح، حيث يقف البناء المهيب منذ القرن الحادي عشر، ثم تواصل السير وسط أزقة مرصوفة بالحجر، تصطف على جانبيها محلات العطارة، النحاس، والمشغولات اليدوية، تختلط روائح القهوة والتوابل مع أصوات الباعة وألحان العازفين الجوالين، لتصنع مشهدا نابضا بالحياة يضيف إلى عظمة المباني القديمة روحا يومية معاصرة، ورغم ازدحام المكان بالزوار، يبقى الشارع قادرا على أسر كل من يمر به، فأنت هنا لا تتجول فقط بين أحجار قديمة، بل تتلمس قصص البشر الذين عاشوا ومشوا في هذا المكان عبر قرون طويلة. ولا يصح الحديث عن القاهرة دون ذكر شارع المعز، فالسياح الذين يقصدون الأهرامات أو المتحف المصري، غالبا ما يضعون المعز ضمن جدول زيارتهم، كثيرون يعتبرون أن السير في أزقة المعز يمنحهم صورة واقعية عن القاهرة القديمة التي طالما سمعوا عنها، ومع إدراج القاهرة التاريخية على قائمة التراث العالمي لليونسكو، أصبح الشارع أحد أبرز ملامح هذا التراث.




