dhl
dhl

“من تراث القاهرة القديمة إلى عالم المشاهير.. شاهين باب اللوق أيقونة الفسيخ في مصر”

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

وسط صخب القاهرة العتيقة، وفي قلب حي باب اللوق، يقف محل صغير لكنه كبير في تاريخه وحكايته. إنّه “فسخاني شاهين”، أحد أعرق محلات الأسماك المملحة في مصر، والذي تحوّل على مرّ السنين من مجرد مشروع عائلي بسيط إلى علامة تجارية راسخة، ترتبط بذاكرة المصريين في مواسمهم وأعيادهم، وتستحضر صورًا وذكريات من زمن الفن الجميل.

يبدأ شادي شاهين –حفيد المؤسس– حديثه بابتسامة فخر، مرددًا كلمات جده التي طالما رسخت في ذهنه: “العراقة لا تُشترى، العراقة تُبنى على الجودة.”

يروي أن البداية تعود إلى عام 1910، مع الجد الأكبر عبد النبي شاهين، الذي ورثه ابنه محمد عبد النبي شاهين –جد شادي– والذي حمل الحلم إلى القاهرة عام 1950، ليؤسس أول محل للعائلة في قلب باب اللوق.

ولم يقتصر نشاطه على بيع الأسماك المملحة التقليدية مثل السردين والملوحة، بل كان أول من أدخل إلى السوق المصري السمك البوري المخصص لصناعة الفسيخ، وكذلك بطارخ البوري (الكافيار)، تلك الأكلة النادرة التي كانت تُعرف بأنها طعام “الصفوة”.

بفضل ذلك، صار صديقًا لنجوم الفن والمجتمع، ولا تزال العائلة تحتفظ بصور نادرة له مع فؤاد المهندس، وعبد الحليم حافظ، وغيرهما من رموز الزمن الجميل.

الحرفة سر البقاء

في الخمسينيات، لم تكن هناك تقنيات حديثة أو آلات معقدة، بل كان كل شيء يُنجز يدويًا.

وهنا يكمن السر، كما يقول شادي: “جدي كان يصنع الفسيخ بيديه، بحرفية وصبر، يراقب كل سمكة وكأنها تحفة.”حينها كان الذوق المصري يفضّل الملوحة القوية، لذا كانت فترة التمليح تصل إلى 20 أو 25 يومًا. ومع تغير الأذواق في العقود الأخيرة، بات أغلب الزبائن يفضلون الطعم الأخف، ليصبح زمن التمليح بين 5 و10 أيام فقط، تبعًا للفصول. فالصيف بحرارته يسرّع من عملية النضج، بينما يحتاج الشتاء إلى وقت أطول

خطوات دقيقة تضمن الجودة

رحلة الفسيخ في “شاهين” تبدأ بالاختيار الدقيق للسمك: طازج، غير مجمّد، وممتلئ اللحم. يوضع أولًا في “الدفاية”، حيث تُرتب الأسماك بطريقة خاصة تسمح بخروج الدم وانتفاخ السمكة استعدادًا للتمليح.بعدها تبدأ المرحلة الأهم: وضع الملح في البراميل الخشبية طبقة بعد طبقة (ملح – سمكة بالطول – ملح – سمكة بالعرض) حتى يُغطى بالكامل.

وخلال أيام قليلة يظهر ما يُسمى “مرقة السمك”، أي المياه الخارجة منه. ثم يُوضع حجر نظيف مغلف فوق البرميل ليمنع الحشرات ويساعد على خروج الماء وتسوية السمك لعدة أيام أخرى.يؤكد شادي: “حتى اختيار الزيت مهم. نستخدم زيت الذرة فقط، لأن أي نوع آخر يفسد الطعم.”

من جيل إلى جيل.. الحلم لا ينطفئ

ما يميز عائلة شاهين أن المهنة لم تكن مجرد تجارة، بل أسلوب حياة. فالابن الوحيد للمؤسس ترك تعليمه ليتفرغ تمامًا لمشروع والده، مؤمنًا بأن هذا المكان ليس مصدر رزق فقط، بل حلم أسرة كاملة.

ومع الجيل الثالث –شادي وإخوته– تغيّرت الظروف: أكملوا تعليمهم الجامعي، لكن ظل “فسخاني شاهين” هو الأصل الذي لا يمكن الاستغناء عنه. يقول شادي: “هو بالنسبة لنا بيت، جذور لا يمكن أن تُقتلع. نحن نربي أبناءنا اليوم على نفس المبدأ.”

من باب اللوق إلى شاشات التلفاز

مع ظهور الإعلام الحديث، لم يبق “شاهين” مجرد محل محلي، بل صار علامة إعلامية. لقبوه بـ “فسخاني المشاهير”، بعدما ظهر في برامج كبرى مثل صاحبة السعادة مع إسعاد يونس، والقاهرة اليوم مع عمرو أديب، والأكيل مع مراد مكرم، والبيت بيتك مع محمود سعد.

ويضحك شادي وهو يستعيد ذكرى لا ينساها: “في حلقة صاحبة السعادة، كان معي الفنان ماجد الكدواني، كانوا مستمتعين بالأكل لدرجة نسوا أنهم في تصوير!”

أما الطريف فكان مع رجاء الجداوي، حين قالت ممازحة عن طبق “الفسيخ بالتفاح”: “الفسيخ فقد شخصيته.”

طرائف وذكريات مع الزبائن

يرتبط “شاهين” بذاكرة عاطفية عند كثير من الزبائن. بعضهم يأتي اليوم ومعه أولاده ليقول: “كنت آتي إلى هنا طفلًا مع والدي.”

وآخرون يطلبون شحن علب خاصة للسفر خارج مصر كهدايا.ويحكي شادي موقفًا لا ينساه مع الراحل محمود عبد العزيز، الذي كان يجلس في المحل على الكرسي الخشبي البسيط، يطلب رغيفًا من الخبز، ويتناول الفسيخ على مهل، بل أحيانًا ينظفه بنفسه بتواضع شديد.

تحديات وصعوبات

رغم شهرة الفسيخ في مصر، إلا أنه يظل أكلة مثيرة للجدل عالميًا.

تقارير الصحة العالمية تحذر منه، لكن شادي يرى في ذلك دعاية إيجابية: “نحن نقدم الأكلة الأصعب والأكثر خطورة بشكل صحي، فيأكلها الناس مطمئنين. هذا هو سر تميزنا.”

أما داخليًا، فأكبر التحديات في رأيه هو تقليد الاسم: “نحن لدينا فرعان فقط: باب اللوق والسيدة زينب. لكن كثيرًا من المحلات تستغل اسم شاهين. والزبون الواعي يعرف أن الأصل واحد فقط.”

ولا يخفي شادي قلقه من المستقبل: “إن لم نتمسك بالجودة، قد يأتي يوم تفرض فيه الدولة قوانين صارمة تصل إلى منع الفسيخ.”

لذلك يحرص دائمًا على نشر التوعية بخطورة التخزين المنزلي الخاطئ، خصوصًا في الأكياس البلاستيك التي يتفاعل معها الملح.

ورغم كل ذلك، يظل متفائلًا، ويحلم بخطوة توسعية قادمة: مطعم كبير للأسماك، وربما فروع خارج مصر، لكنه يكرر: “الأصل سيبقى باب اللوق، هنا الجذور.”

هكذا يظل “فسخاني شاهين” أكثر من محل فسيخ، بل ذاكرة شعبية مصرية ارتبطت بالمواسم والأعياد، وبالجيل تلو الجيل.

من الجد الأكبر عبد النبي شاهين، إلى ابنه محمد عبد النبي شاهين، وصولًا إلى الحفيد شادي شاهين، يستمر الإرث العائلي شاهدًا على أن الحب والجودة هما سر البقاء، حتى في أكلة مصرية مثيرة للجدل مثل الفسيخ.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.