القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
لم تشهد اللغة العربية في تاريخها الحديث تحديًا أشد تعقيدًا مما تواجهه اليوم في ظل الطفرة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. فبينما كانت العربية لقرون وعاءً للعلم والفكر والأدب، فإنها تجد نفسها الآن في مواجهة جيل جديد يصوغ لغته اليومية عبر المنصات الرقمية، حيث يختلط الفصحى بالعامية، والعربية باللغات الأجنبية، والحروف الأصلية بالرموز والأرقام فيما يُعرف بـ«العربيزي».هذه الظاهرة تثير جدلاً واسعًا بين اللغويين والمثقفين؛ فمنهم من يراها تهديدًا مباشرًا لسلامة العربية بوصفها لغةً جامعة للهوية، ومنهم من يعتبرها تطورًا طبيعيًا يواكب التحولات التكنولوجية. فالشباب اليوم يتواصلون بسرعة خاطفة عبر الرسائل الفورية والتطبيقات المختلفة، وهو ما يفرض لغة مختصرة، مرنة، وربما هجينة، تُخالف قواعد الفصحى لكنها تؤدي الغرض في التواصل اللحظي.غير أنّ الخطر الأكبر يكمن في تراجع حضور العربية الفصحى في المجال الرقمي مقارنة باللغات الأجنبية. فمحتوى الإنترنت ما زال يغلب عليه الطابع الإنجليزي، بينما يعاني المحتوى العربي من ضعف في الكم والكيف، على الرغم من وجود أكثر من 400 مليون متحدث بالعربية. هذا التراجع قد يؤثر على موقع اللغة في المستقبل ما لم تُتخذ خطوات جادة لتعزيز حضورها في الفضاء الرقمي.وفي هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي كعامل مزدوج التأثير.
فمن ناحية، تسهم أدوات الترجمة الآلية والتطبيقات الذكية في نشر العربية على نطاق أوسع، وتمكين المستخدمين من الكتابة والتعلّم بسهولة. بل إن بعض النماذج اللغوية المتطورة بدأت تدعم العربية بشكل متزايد، ما يفتح الباب أمام إنتاج محتوى معرفي وتعليمي ضخم بلغتنا الأم. ومن ناحية أخرى، فإن اعتماد الذكاء الاصطناعي على البيانات المتاحة قد يكرّس الأخطاء اللغوية إذا لم يُراعَ إدخال نصوص فصيحة سليمة، مما يشكّل تهديدًا لسلامة اللغة على المدى البعيد.في المقابل، ظهرت مبادرات إيجابية تستهدف إنقاذ العربية من التهميش الرقمي، مثل المنصات التعليمية التي تقدم محتوى بالفصحى، والمبادرات الشبابية التي توظف وسائل التواصل للترويج للقراءة والكتابة السليمة، فضلًا عن جهود المجامع اللغوية في تعريب المصطلحات العلمية والتكنولوجية. كما أنّ بعض الشركات العالمية باتت تُدرج اللغة العربية في أنظمتها، مما يعكس إدراكًا متزايدًا لقيمتها السوقية والثقافية.لكن السؤال الجوهري يبقى: هل تستطيع اللغة العربية أن تحافظ على مكانتها بين الأجيال الجديدة في ظل هذا التزاحم الرقمي؟الإجابة لا تتوقف على المؤسسات الرسمية وحدها، بل على وعي الأجيال ذاتها بأهمية لغتها كوعاء للهوية والثقافة. فالعربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي ذاكرة الأمة وسجلّ حضارتها، وضياعها يعني انقطاع الصلة بين الماضي والمستقبل.إن التحدي الذي يواجه اللغة العربية اليوم ليس أن تظل «حية» فقط، بل أن تكون معاصرة وقادرة على التعبير عن طموحات الأجيال الجديدة دون أن تفقد أصالتها. وهنا يكمن الرهان الحقيقي: أن نعيد صياغة علاقتنا بالعربية بحيث تصبح لغة العلم والفن والإبداع في العصر الرقمي، لا مجرد ذكرى محفوظة في القواميس.




