dhl
dhl

جيل ما بعد التيك توك: إلى أين يتجه الشباب بعد تشبّعهم من الفيديوهات القصيرة؟

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

منذ ظهوره، استطاع تطبيق “تيك توك” أن يجتاح العالم بسرعة غير مسبوقة، ليصبح المنصة الأكثر تأثيراً على الشباب في مختلف القارات. دقائق قصيرة من الفيديوهات الطريفة، المبهرة، أو المليئة بالتحديات صنعت جيلاً جديداً يعيش على الإيقاع السريع، ويتفاعل مع المحتوى بلمسة إصبع. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا بعد؟ هل يستمر هذا الجيل في الدوران داخل فقاعة المقاطع السريعة، أم أن هناك تحوّلاً قادماً نحو آفاق جديدة من التفاعل الرقمي؟لقد بات واضحاً أن تشبّع الشباب من “الوجبات الإعلامية السريعة” يخلق حاجة داخلية للتغيير. صحيح أن التيك توك ما يزال في ذروة حضوره، لكن المؤشرات تكشف عن ميل جيل ما بعد التيك توك إلى البحث عن عمق أكبر في التجربة الرقمية. لم تعد المقاطع التي لا تتجاوز الدقيقة قادرة على إشباع الفضول، ولا على إرضاء الرغبة في المعرفة أو الترفيه الممتد. ولهذا بدأ الشباب يتجهون إلى منصات أخرى تمنحهم محتوى أوسع وأكثر ثراءً، مثل “يوتيوب” بمقاطع طويلة و”بودكاست” بالصوت والحوار، وحتى منصات الكتب الصوتية والتعلم عبر الإنترنت.إن التغير النفسي والاجتماعي لهذا الجيل يشي بتحوّل أكبر من مجرد انتقال بين التطبيقات؛ إنه بحث عن هوية رقمية أكثر نضجاً. فبعد سنوات من الانجذاب وراء التحديات السطحية والرقصات المتكررة، باتت الحاجة ملحّة إلى محتوى يقدم إضافة حقيقية. هنا يظهر صعود اليوتيوبرز الذين يقدمون محتوى تثقيفياً أو قصصياً مثل أحمد الغندور في “الدحيح” أو محمد طاهر في “فيلم في الخمسينة”، حيث يتابعهم الملايين بشغف لأنهم يجمعون بين الترفيه والمعرفة.كما أن المنصات الجديدة التي تعتمد على الواقع الافتراضي والميتافيرس تفتح أبواباً واسعة أمام جيل ما بعد التيك توك، حيث يمكن للمستخدم أن يعيش تجربة تتجاوز حدود الشاشة المسطحة، ليندمج في فضاء ثلاثي الأبعاد يشارك فيه أصدقاءه ويبتكر محتواه بنفسه. وبذلك يصبح الشاب ليس مجرد مستهلك للفيديوهات، بل صانعاً لعوالم رقمية جديدة.لكن المسألة لا تتوقف عند حدود التكنولوجيا، بل تمتد إلى البعد النفسي. فقد أدرك كثير من الشباب أن الاستهلاك المفرط للفيديوهات القصيرة يخلق حالة من التشتت وضعف التركيز، ويؤثر على جودة النوم والصحة العقلية. من هنا بدأت حملات فردية وجماعية لتقليل ساعات الاستخدام، والبحث عن محتوى “أبطأ” وأكثر عمقاً، يعيد للذهن القدرة على الاستيعاب وللحياة بعض الاتزان.جيل ما بعد التيك توك لا يعني نهاية المنصة، بل يشير إلى مرحلة جديدة من تطورها. فكما تحوّل “فيسبوك” من موقع طلابي بسيط إلى شبكة اجتماعية عالمية، قد يتحول تيك توك بدوره إلى فضاء أوسع يقدم أدوات مختلفة، أو قد تبرز منصة جديدة تستحوذ على عقول الشباب. الفكرة الأهم أن الجيل الجديد يرفض الجمود، ويتحرك دائماً نحو ما هو أكثر إشباعاً لرغباته الفكرية والعاطفية.ولعل الدرس الأكبر من تجربة التيك توك أن الشباب ليسوا مجرد متلقين سلبيين، بل هم المحرك الأول لعجلة التغيير الرقمي. فما إن يملّوا من صيغة حتى يصنعوا أخرى، وما إن يشعروا بالتكرار حتى يفتحوا الباب لابتكار جديد. وهكذا يبدو المشهد واضحاً: ما بعد التيك توك ليس فراغاً، بل بداية مرحلة أعمق وأكثر تنوعاً، يكون فيها الشباب صانعي المحتوى وقادة التوجهات، لا مجرد جمهور يتابع بصمت.قد يظن البعض أن جيل اليوم أسير شاشة صغيرة، لا يعرف إلا التمرير السريع والبحث عن متعة آنية، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فهذا الجيل، رغم كل الانتقادات التي توجَّه إليه، يملك وعياً داخلياً يجعله يبحث دائماً عن الجديد، ويرفض أن يُختزل في قالب واحد. إن الانتقال من الانبهار بالفيديوهات القصيرة إلى البحث عن محتوى أطول وأكثر عمقاً ليس مجرد نزوة، بل هو تعبير عن رغبة ناضجة في التوازن بين السرعة والمعرفة، بين الترفيه والفائدة.ولعلّ ما يميز جيل ما بعد التيك توك أنه جيل مغامر رقمياً، لا يخشى تجربة منصات جديدة ولا التفاعل مع أفكار مغايرة. إنه جيل يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية بسهولة، يصنع صداقات عبر القارات، ويؤثر في الرأي العام العالمي من خلال محتوى قد لا يتجاوز بضع دقائق، لكنه قادر على إشعال نقاشات لا تنتهي. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس “إلى أين يتجه الشباب بعد التيك توك؟”، بل “كيف سيغيّر هذا الجيل مستقبل الإعلام الرقمي كله؟”.إن ما نراه اليوم من تشبّع بالمقاطع القصيرة قد يكون بداية لنقلة نوعية أكبر، حيث يتجه الشباب لبناء عالم رقمي متعدد الطبقات؛ يجمع بين المتعة السريعة والمعرفة العميقة، بين التفاعل اللحظي والتجارب الممتدة. وقد يكون هذا التحول هو ما يمنح الإعلام الرقمي حياة أطول، ويمنح الشباب أنفسهم فرصة ليكونوا قادة لا مجرد متابعين.في النهاية، جيل ما بعد التيك توك ليس جيلاً ضائعاً كما يصفه البعض، بل هو جيل يعيد صياغة معادلة الزمن الرقمي وفقاً لاحتياجاته وطموحاته. هو جيل يُدرك أن المستقبل لا ينتظر أحداً، فيسعى أن يكون جزءاً من صناعته لا مجرد متفرج عليه. وما بعد التيك توك قد يكون أكثر إثارة مما نتخيل، لأنه ببساطة بداية فصل جديد تُكتب سطوره بأصابع شابة، تعلّمت من الماضي وتتشبث بالمستقبل بكل جرأة وشغف.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.