القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
من بين كثبان الرمال في الصحراء المصرية، حيث يختبئ الزمن في طبقات الصخور والرواسب، خرجت إلى النور قصة علمية جديدة تضع مصر على خريطة الاكتشافات العالمية في مجال الحفريات. فقد أعلن مركز الحفريات الفقارية بجامعة المنصورة عن اكتشاف نوعين جديدين من الزواحف العملاقة آكلة اللحوم عاشا قبل نحو 30 مليون سنة، وأُطلق عليهما اسما “باستت” و**”سخمت”**، تيمّنًا بالمعبودتين المصريتين القديمتين المرتبطتين بالقوة والحماية.
هذا الاكتشاف ليس مجرد إضافة لأرشيف الحفريات، بل هو إعادة بناء لمشهد بيئي مفقود، يعكس كيف كانت أرض مصر، في عصر الأوليغوسين (Oligocene)، موطنًا لغابات استوائية وسواحل عامرة بالحياة. في ذلك الزمن، كانت أفريقيا تعيش تحولات مناخية عميقة أدت إلى تغيّر النظم البيئية وتطور الكائنات الحية.
وفي هذا السياق، تظهر “باستت” و”سخمت” كوحوش مفترسة شكّلت قمة الهرم الغذائي، لتدلل على غنى التنوع البيولوجي الذي ميز المنطقة.
• مصر مركزًا للحفريات الفقارية
يؤكد هذا الإنجاز أن مصر ليست فقط أرض الحضارة الفرعونية، بل أيضًا خزان طبيعي لقصص الحياة القديمة.
فالصحراء الشرقية والغربية وسيناء غنية بطبقات جيولوجية تُعد بمثابة “أرشيف طبيعي” لحياة سادت ثم اندثرت. وقد سبق لمركز جامعة المنصورة أن قدّم اكتشافات لافتة، منها ديناصور المنصورة (Mansourasaurus shahinae) الذي أُعلن عنه عام 2018 وأحدث صدى عالميًا، باعتباره أحد آخر الديناصورات التي عاشت في أفريقيا قبل انقراضها.
اليوم، يأتي “باستت” و”سخمت” ليؤكدا أن مصر قادرة على أن تكون مركزًا إقليميًا ودوليًا في دراسة الحفريات الفقارية، وأنها لا تقل أهمية عن مناطق عالمية مثل كولورادو في الولايات المتحدة أو منغوليا التي شهدت اكتشافات ديناصورية شهيرة.
•صدى عالمي واعتراف علمي
الاهتمام العالمي بالاكتشاف الجديد ظهر سريعًا، إذ خصصت إحدى المجلات العلمية البريطانية المبسطة غلافها الأخير لصورة “باستت”، في إشارة رمزية إلى ثقل هذا الاكتشاف. هذا الاختيار لا يعكس قيمة البحث العلمي المصري وحده، بل يرسل أيضًا رسالة بأن العلوم في العالم العربي قادرة على المنافسة عندما تتوفر لها الكفاءات والدعم المؤسسي.
• العلم والهوية الثقافية
ما يثير الانتباه أن فريق البحث المصري اختار أسماءً من الحضارة الفرعونية لتسمية الكائنات المكتشفة. فالربط بين الهوية الثقافية المصرية القديمة والاكتشاف العلمي الحديث ليس مجرد اختيار رمزي، بل هو أيضًا تأكيد على أن الماضي والحاضر يلتقيان في مشروع حضاري واحد: استعادة مصر لمكانتها مركزًا للمعرفة والعلم.
• مقارنات عالمية
على مستوى عالمي، يمكن مقارنة “باستت” و”سخمت” باكتشافات مشابهة في كينيا وتنزانيا، حيث جرى العثور على حفريات لزواحف مفترسة من نفس الحقبة. غير أن ما يميز الاكتشاف المصري هو السياق البيئي الذي يكشف عنه: مصر كانت نقطة التقاء بين آسيا وأفريقيا، ما جعلها مسرحًا للهجرات البيولوجية، وبالتالي خزّانًا للتنوع الحيوي.
المستقبل: نحو صناعة علمية متكاملة
اكتشافات كهذه لا تتوقف عند حدود البحث الأكاديمي.
فهي تحمل أيضًا إمكانيات اقتصادية وسياحية وتعليمية:يمكن أن تصبح مواقع الاكتشاف وجهات سياحية علمية تجذب الباحثين والطلاب من أنحاء العالم.توفر مادة علمية ثرية للمناهج الدراسية في المدارس والجامعات، تزرع لدى الأجيال الجديدة روح البحث والاكتشاف.تعزز من مكانة مصر في الاقتصاد المعرفي، إذ أن الدراسات العلمية الرائدة تمثل أحد محاور القوة الناعمة.
إن قصة “باستت” و”سخمت” هي في جوهرها قصة مصر: أرض تختزن أسرار التاريخ الإنساني والحضاري، وأرض لا تزال تفاجئ العالم بأسرار الطبيعة والحياة. وبينما قدّم الفراعنة أعظم أثر إنساني خالد، تكشف الرمال اليوم عن أثر آخر لا يقل روعة: أثر الطبيعة ذاتها. وإذا كان الماضي يزودنا بالدهشة، فإن المستقبل يفرض علينا مسؤولية أن نستثمر هذه الاكتشافات في تعزيز العلم والثقافة والهوية.هكذا، تثبت جامعة المنصورة أن مصر ليست فقط مهد حضارة إنسانية، بل أيضًا مختبر مفتوح لتاريخ الحياة، وأن الطريق لا يزال طويلًا ومليئًا بالمفاجآت التي تنتظر من يكشف عنها.




