dhl
dhl

الدراما المصرية بعد الرقابة: بين كسر القيود وإعادة تدوير الحكايات

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

شهدت الدراما المصرية خلال السنوات الأخيرة تحولات لافتة أعادت طرح سؤال قديم متجدّد: إلى أي مدى تحررت الأعمال التلفزيونية من قبضة الرقابة التقليدية، وهل انعكس ذلك على طبيعة القضايا المطروحة وجودة السرد الدرامي؟ فالرقابة التي طالما كانت المتهم الأول في تقييد خيال المبدعين، لم تعد بالصرامة القديمة، إذ تغيّر شكلها ليأخذ طابعًا مؤسسيًا أقل وضوحًا، يترك مساحة أوسع لتناول موضوعات كانت تُعدّ من المحظورات. لكن المتابع المتأني يلحظ أن هذا الانفتاح لم يُثمر بالضرورة موجة من الجرأة الفكرية والفنية، بقدر ما أدى إلى جدل واسع حول جدوى ما يُقدَّم.رمضان 2025 مثّل محطة بارزة في هذا السياق؛ إذ حمل على شاشات الفضائيات ومنصات البث عددًا من المسلسلات التي أثارت نقاشًا واسعًا. فقد تجرأ بعضها على طرح قضايا حساسة مثل العنف الأسري والفساد المؤسسي والخيانات داخل الأسرة، بينما حاولت أخرى أن تلامس أشكالًا غير مألوفة من العلاقات الاجتماعية، متبنيةً خطابًا بدا أكثر قربًا من الواقع اليومي، وأحيانًا أكثر صدامًا مع الذوق المحافظ. بعض هذه الأعمال حظي بإشادة معتبرة من فئة من النقاد والجمهور، باعتبارها نقلة ضرورية نحو دراما أكثر صدقًا مع المجتمع، فيما رأى آخرون أن الأمر لا يعدو كونه استثمارًا في الإثارة السطحية دون عمق فكري أو بناء درامي متماسك.وعند مقارنة التجربة المصرية بما تقدمه الدراما العربية عبر منصات كبرى مثل “شاهد” السعودية أو “نتفليكس بالعربية”، تتضح الفجوة في مستوى الحرية الإبداعية. فهذه المنصات سمحت بعرض أعمال تتناول موضوعات مثل الهوية الجنسية أو الصراعات الطائفية أو النقد المباشر للأنظمة الاجتماعية، بدرجة من الصراحة قلّما تصلها الدراما المصرية حتى اليوم. صحيح أن القاهرة ما زالت تملك الريادة من حيث حجم الإنتاج وتنوعه، لكن كثيرين يرون أن المنافسة الإقليمية باتت تفرض مراجعة أعمق لخياراتها الفنية إذا أرادت الحفاظ على مكانتها.النقاد انقسموا إزاء هذه التحولات. فريق أول يرى أن الدراما المصرية بدأت بالفعل تفكك القيود القديمة وتغامر في فضاءات جديدة، حتى وإن جاءت تلك المحاولات مترددة أو مشوبة بالحذر، ويستدلون على ذلك بزيادة الأعمال التي تبتعد عن الميلودراما التقليدية وتجرؤ على نقد الفساد والعنف البنيوي في المجتمع. أما الفريق الثاني فيرى أن المشهد ما زال أسيرًا لـ”الخلطة المضمونة” التي تعتمد على نجوم الصف الأول، والصراعات العائلية المستهلكة، والنهايات التي تعيد الأمور إلى نصابها المألوف، وأن ما يبدو جرأة ليس سوى قناع لتسويق الأعمال في موسم شديد التنافسية.ما بين هذين الرأيين، يبقى الجمهور هو المحك الحقيقي. فالمشاهد المصري الذي اعتاد متابعة الدراما كجزء من نسيجه الثقافي، صار أكثر انفتاحًا على المقارنات بفضل المنصات الرقمية التي وفرت له بدائل عربية وعالمية بلا قيود. وإذا كانت الدراما المصرية تسعى إلى استعادة بريقها، فربما يكون الرهان على عمق الفكرة وجودة الكتابة أكثر من الرهان على كسر المحظورات فقط.وهكذا فإن السؤال الكبير يظل مفتوحًا: هل نحن حقًا أمام عصر جرأة فنية جديدة تعيد للدراما المصرية قدرتها على التعبير عن هموم المجتمع بصدق، أم أن ما نشهده مجرد إعادة تدوير لحكايات قديمة في ثوب أكثر بريقًا وأقل تحفظًا؟ الجواب لن تحدده الرقابة وحدها، بل سيصوغه التفاعل بين جرأة الكاتب ورؤية المخرج وانتظار الجمهور.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.