القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
في عالم موازٍ يختبئ خلف شاشات الهواتف والحواسيب، تنشأ يومياً ما يُشبه مدن الأشباح الرقمية؛ مدن مكتظة بالحسابات الوهمية التي لا أصحاب لها أو تُدار من خلف ستار مجهول. ومع أن هذه الحسابات تبدو للوهلة الأولى مجرد أسماء وصور بلا قيمة، إلا أنها أصبحت أداة فعّالة في تشكيل الرأي العام، والتأثير على الأسواق، وحتى توجيه السياسة والإعلام.تدار هذه الحسابات عبر شبكات منظمة أشبه بـ”مصانع رقمية” تعمل على مدار الساعة. ففي بعض الدول، توجد مزارع إلكترونية تضم آلاف الهواتف أو الحواسيب التي يديرها موظفون مأجورون، مهمتهم إنشاء تفاعل زائف: إعجابات، مشاركات، تعليقات، بل وأحياناً شنّ هجمات إلكترونية منظمة على شخصيات عامة أو مؤسسات. هذا النشاط لا يقتصر على الأفراد، بل أصبح صناعة قائمة بذاتها تستثمر فيها شركات كبرى وحكومات تسعى إلى تضخيم نفوذها أو تشويه خصومها.وتتنوع دوافع إنشاء هذه الحسابات بين اقتصادية وسياسية واجتماعية. فمن الناحية الاقتصادية، تُستخدم لتسويق المنتجات ورفع نسب المشاهدات وزيادة الأرباح، حتى وإن كان المحتوى رديئاً. أما سياسياً، فقد تحولت إلى جيوش إلكترونية تخوض معاركها على أرض افتراضية، حيث يمكن لآلاف الحسابات الوهمية أن تغيّر اتجاه نقاش أو تفرض “ترينداً” خلال ساعات. وعلى المستوى الاجتماعي، فإنها تمنح بعض الأفراد شعوراً بالقوة الزائفة أو الشهرة السريعة، حتى وإن كانت مبنية على أوهام.اللافت أن هذه الحسابات لم تعد مقتصرة على الصور الثابتة والأسماء المستعارة، بل تطورت بفضل الذكاء الاصطناعي إلى شخصيات رقمية كاملة بملامح واقعية وقدرة على الرد الآلي المقنع.
وهكذا، بات من الصعب التمييز بين الإنسان الحقيقي والكيان المصطنع، مما يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الثقة في الفضاء الرقمي.غير أن هذه “المدن الوهمية” ليست بلا ثمن. فهي تقوّض المصداقية، وتزرع الشك في كل ما نراه ونقرأه، وتجعل الحقيقة سلعة نادرة وسط ضوضاء من الأصوات المبرمجة. كما أن وجودها يهدد التجربة الإنسانية الأصيلة على وسائل التواصل، حيث يتحول الحوار الطبيعي إلى صراع مع كيانات مصطنعة هدفها تضليل أو توجيه العقول. يكشف لنا مشهد مدن الأشباح الرقمية أننا نعيش في زمن صار فيه الزيف قابلاً للتصديق أكثر من أي وقت مضى. وما لم يتم وضع أطر قانونية وأخلاقية تحدّ من هذا الزحف الوهمي، فقد نجد أنفسنا في عالم تصبح فيه الحقيقة مجرد خيار بين بدائل عديدة، لا حقيقة واحدة. إنها معركة صامتة، لكن نتائجها قد تعيد تشكيل علاقتنا بالواقع ذاته.ورغم خطورة هذه الظاهرة، فإن الشباب هم الفئة الأكثر تماساً معها، بحكم كونهم المستخدمين الأكثر نشاطاً على منصات التواصل. فالبعض بات يمتلك وعياً أكبر، يميز بين المحتوى الحقيقي والمصطنع، ويستخدم مهاراته الرقمية لتفادي الوقوع في فخ الحسابات الوهمية. لكن في المقابل، لا يزال كثيرون يقعون ضحية لهذه “الجيوش الرقمية”، سواء عبر تصديق الأخبار المضللة أو الانسياق وراء “تريندات” مُفتعلة. الأخطر أن بعض الشباب يتعاملون مع هذه الحسابات باستخفاف، معتبرينها مجرد لعبة أو أداة للترفيه، دون إدراك تأثيرها العميق على تشكيل آرائهم ومواقفهم من قضايا مصيرية.ومع ذلك، بدأ يظهر جيل جديد من المستخدمين يسعى إلى كشف هذا الزيف، من خلال إنشاء محتوى توعوي وتحذيري، أو عبر استخدام تقنيات لكشف الروبوتات والحسابات غير الحقيقية. وهو ما يفتح الباب أمام وعي رقمي جماعي قد يكون خط الدفاع الأول في مواجهة مدن الأشباح الرقمية.إن ما يجعل هذه الظاهرة أكثر خطورة أنها لا تظهر في العلن بشكل مباشر، بل تعمل بخفاء، تُضخّم ما تريد وتُخفي ما لا يخدم أهدافها. في لحظة واحدة، يمكن لمئات الحسابات أن تعيد نشر خبر أو إشاعة، فيتحول الوهم إلى ما يشبه الحقيقة، ويغدو من الصعب التمييز بين ما هو صادق وما هو مفتعل. وهنا تكمن المعضلة الكبرى: حين تتحول منصات يُفترض بها أن تنقل أصوات الناس إلى أدوات تصنع واقعاً زائفاً.ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، بات الأمل معقوداً على هذه التكنولوجيا في كشف الحسابات الوهمية والتلاعب الرقمي. فخوارزميات التعلم العميق أصبحت قادرة على تحليل أنماط النشر والتعليقات وسرعة التفاعل بطريقة تفوق قدرة الإنسان، مما يمكّنها من التفرقة بين المستخدم الحقيقي و”الروبوت الرقمي”. غير أن هذه المعركة ما زالت مستمرة، إذ يلجأ صُنّاع الحسابات الوهمية بدورهم إلى الذكاء الاصطناعي لتطوير طرق أكثر تعقيداً في التنكر. وهكذا يدخل العالم في سباق محموم بين التقنية التي تُراد لحماية الحقيقة، والتقنية التي تُستخدم لخداعها.وفي النهاية، تبدو مدن الأشباح الرقمية أخطر مما نتصور، فهي ليست مجرد حسابات صامتة أو أرقام تُضاف بلا معنى، بل هي قوة خفية تُعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتعيد رسم خريطة الرأي العام على نحو قد لا يكون صادقاً ولا بريئاً. إنّ مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق المؤسسات التقنية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من وعي المستخدم الفرد، مروراً بجهود الإعلام في كشف الزيف، وصولاً إلى تشريعات تحمي الفضاء الرقمي من العبث. وما بين كل ذلك، يظل السؤال الملح: هل سنسمح للأشباح أن تتحكم في مستقبلنا وآرائنا، أم سنمتلك الشجاعة لإعادة الحياة إلى فضاء رقمي أكثر صدقاً وشفافية؟ إن الإجابة، في جوهرها، تعكس مدى قدرتنا على حماية عقولنا قبل حساباتنا، لأن من يخسر وعيه أمام هذه الجيوش الصامتة، يخسر ذاته أولاً.


