القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
في العقدين الأخيرين تغيّرت خريطة الإعلام العالمي بالكامل. لم يعد التلفزيون وحده هو المسيطر على تشكيل وعي الجماهير، ولا الصحف الورقية هي المرجع الوحيد للمعلومة. ظهر لاعب جديد اسمه «شركات المحتوى»؛ كيانات رقمية تدير فرقًا من الكُتّاب والمصممين والمخرجين الرقميين، هدفهم إنتاج محتوى متدفّق، سريع الانتشار، ومصمم خصيصًا ليخاطب جمهور الإنترنت بمختلف شرائحه.هذه الشركات، التي بدأت كصفحات صغيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، تحوّلت اليوم إلى مؤسسات بملايين المتابعين، بل وأحيانًا بتمويلات ضخمة من مستثمرين وشركات إعلان. ومن الأمثلة العالمية شركات مثل BuzzFeed و Vice Media، التي استطاعت أن تحوّل قصصًا بسيطة إلى قضايا رأي عام عالمي. أما عربيًا، فقد برزت منصات مثل AJ+ عربي، وميدان، والمنصة، إضافة إلى شركات محلية أصغر في مصر والخليج تعتمد على «فيديوهات السوشيال ميديا» كأساس لنشر رسائلها.في مصر تحديدًا، بدأت تظهر خلال السنوات الأخيرة شركات ناشئة متخصصة في صناعة المحتوى الرقمي والإعلام الجديد، مثل Kijamii وThe Influencers Agency، التي تدير حسابات لعلامات تجارية كبرى وتنتج محتوى يستهدف فئة الشباب على «فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك». كذلك برزت شركات مثل Peace Cake، التي اشتهرت بإنتاج محتوى ساخر يمزج بين الدراما والكوميديا، واستطاعت أن تجذب ملايين المشاهدات من خلال أسلوب شبابي معاصر.أما في العالم العربي، فنجد شركات مثل UTURN في السعودية، التي كانت من أوائل الكيانات التي استثمرت في المحتوى الكوميدي على يوتيوب وفتحت الباب أمام جيل جديد من المبدعين، وKharabeesh في الأردن، التي بدأت بالرسوم الكاريكاتورية والفيديوهات الساخرة ثم توسعت في مجالات عدة. وفي الإمارات، تتصدر Unilever Content Studio MENA المشهد عبر ربط المحتوى بالعلامات التجارية العالمية.التقارير الاقتصادية تشير إلى أن الاستثمار في شركات المحتوى بالمنطقة العربية ارتفع بنسبة تقارب 35% خلال 2024، مدفوعًا بانتشار المنصات الرقمية، وارتفاع عدد مستخدمي الإنترنت العرب إلى أكثر من 200 مليون مستخدم نشط. هذه الأرقام توضح أن المحتوى لم يعد مجرد ترفيه، بل تحول إلى صناعة حقيقية قائمة بذاتها، تنافس الإعلام التقليدي على العقول والقلوب.لكن ما يثير القلق أن هذه الشركات لا تكتفي بتقديم ترفيه أو أخبار سريعة؛ بل أصبحت تشكّل في كثير من الأحيان اتجاهات الرأي العام، وتؤثر على ما يعتقده الناس في السياسة، الاقتصاد، بل وحتى الدين والثقافة. فالفيديو القصير على «تيك توك» أو «إنستغرام» يمكن أن يُعيد صياغة قضية معقدة في 60 ثانية، بطريقة تختزل المعلومة لصالح «الترند» على حساب العمق.وتطرح هذه الظاهرة أسئلة صعبة:من يحدد ما يُنشر وما يُخفى؟هل تحوّل الجمهور العربي إلى متلقٍ سلبي، يستهلك محتوى جاهزًا دون تمحيص؟وما الدور الذي تلعبه الخوارزميات في تكريس أفكار معيّنة وإقصاء أخرى؟في مصر مثلًا، ظهرت مؤخرًا شركات صغيرة متخصصة في إنتاج «الميمز» السياسية والاجتماعية، وشركات تسويقية تستغل قوة المحتوى المصوَّر لإعادة تشكيل صورة منتجات أو حتى شخصيات عامة.
بينما في الخليج، صعدت شركات تستهدف فئة الشباب تحديدًا، مستخدمة لغة مرحة، لكن بخلفيات استثمارية جادة، ورغم هذا التوسع، يرى بعض النقاد أن معظم هذه الشركات تفتقد إلى التحرير الصحفي الصارم، ما يجعلها أكثر عرضة لنشر الأخبار المضللة أو المعلومات الناقصة. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن «شركات المحتوى» باتت المحرّك الأساسي للنقاشات العامة على الإنترنت، وأن تأثيرها في تشكيل عقول الشباب العربي قد يفوق ما تفعله وزارات الإعلام أو حتى كبريات القنوات الفضائية.في النهاية، يبقى السؤال: هل نحن أمام عصر جديد من الإعلام الموازي، تقوده شركات لا تخضع دائمًا للمساءلة أو الرقابة، أم أن هذا مجرد انتقال طبيعي لعالم رقمي يحكمه «اللايك» و«الشير»؟ المستقبل كفيل بالإجابة، لكن المؤكد أن شركات المحتوى لن تغادر المشهد قريبًا، بل ستزداد قوة مع كل جيل جديد يدخل عالم الإنترنت، الحقيقة أن المستقبل يميل أكثر إلى “المزج” لا “الإقصاء”. شركات المحتوى تقدم السرعة والمرونة والقدرة على مخاطبة الجيل الرقمي بلغته، بينما الإعلام التقليدي يظل حاملًا لخبرة طويلة ومرجعًا في المصداقية. ومع استمرار التطور التكنولوجي، يبدو أن صناعة الرأي ستتوزع بين الجانبين، لتُكتب فصول جديدة في معركة التأثير على الوعي الجمعي في العالم العربي.



