القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
لم تعد ألعاب الأطفال كما كانت في الماضي؛ دمى صغيرة أو سباقات ورقية أو حتى ألعاب إلكترونية تقليدية على الهاتف والكمبيوتر. اليوم، يقف جيل كامل أمام تجربة مختلفة كلياً: ألعاب الواقع الافتراضي، حيث يتحول اللاعب من مجرد متفرج على الشاشة إلى جزء من عالم غامر ثلاثي الأبعاد يثير الحواس والعاطفة والعقل معاً.الواقع الافتراضي لم يعد رفاهية، بل أصبح صناعة بمليارات الدولارات، تتسابق شركات الألعاب لإنتاج عوالم متكاملة تجذب الصغار والمراهقين. هذه العوالم لا تمنحهم الترفيه فقط، بل تعيد تشكيل طريقة تفكيرهم وسلوكهم، وتفتح نقاشاً واسعاً حول أثرها العميق في عقول الأجيال الناشئة.يؤكد خبراء أن هذه الألعاب تعزز التركيز والقدرة على حل المشكلات، بل وتفتح الباب أمام التعلم عبر التجربة المباشرة؛ فالطالب الذي يدرس التاريخ مثلاً يمكنه أن يعيش أجواء المعارك القديمة أو يزور حضارات منقرضة وهو جالس في غرفته.لكن في المقابل، يخشى البعض أن يتحول الانغماس المفرط إلى إلهاء دائم يقلل من ارتباط الطفل بالكتب والأنشطة الواقعية.• العاطفة بين التقمص والهروبالمثير أن الواقع الافتراضي قادر على إثارة مشاعر قوية: فرح، خوف، فضول وحتى تعاطف. فقد يجد المراهق نفسه يعيش تجربة لاجئ يبحث عن مأوى، أو طبيب ينقذ مريضاً. هذه التجارب قد تعزز التعاطف الإنساني بشكل لم يكن متاحاً من قبل.غير أن الخطورة تكمن في أن بعض المراهقين يلجأون إلى هذه العوالم كمهرب من الضغوط المدرسية أو العائلية، ليصبحوا أسرى لهويتهم الافتراضية.• صداقات افتراضية… وعزلة حقيقيةمن الناحية الاجتماعية، لم تعد الألعاب نشاطاً فردياً. المراهق اليوم يستطيع تكوين صداقات مع لاعبين من مختلف القارات، والتعاون معهم لإنجاز مهام مشتركة.لكن هذه الصداقات الرقمية قد تأتي على حساب الجلسات العائلية أو اللقاءات الواقعية مع الأصدقاء، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نعيش بداية مرحلة عزلة اجتماعية مغلّفة بواجهة من “التواصل الافتراضي”؟• مخاطر لا يمكن تجاهلهاالأطباء النفسيون يحذرون من الإدمان الرقمي، حيث يقضي البعض ساعات طويلة داخل الخوذات والنظارات، ما يؤثر في النوم والصحة الجسدية. وهناك أيضاً مخاوف من أن مشاهد العنف الواقعي داخل بعض الألعاب قد تطبع سلوكيات عدوانية في ذهن المراهق.والأخطر أن التداخل المستمر بين الواقع والافتراض قد يشوّش على إدراك الطفل للحدود الفاصلة بينهما.• ما يقوله العلم: دراسات عالميةدراسة تحليلية (2013–2023) أكدت أن الواقع الافتراضي يُحسّن المهارات الاجتماعية والعاطفية للأطفال والمراهقين، مثل التعاون والتفاعل.تجارب سريرية أوضحت أن الأطفال المصابين بالتوحّد أظهروا تحسناً معرفياً واجتماعياً بفضل الواقع الافتراضي.دراسات أخرى بيّنت أن أطفال ADHD تحسنت لديهم القدرة على الانتباه والذاكرة عند استخدام تقنيات غامرة.وعلى الجانب الآمن، أظهرت دراسة منشورة عام 2025 أن استخدام الأطفال للواقع الافتراضي نحو ساعة يومياً لأربعة أيام متتالية لم يُظهر تأثيرات سلبية على النظر أو التوازن أو الإدراك التنفيذي، شرط أن يكون الاستخدام معتدلاً.
كما يكشف استطلاع لجامعة ستانفورد شمل 3,613 ولي أمر أن 60% من الأهالي قلقون من الأضرار الصحية، لكن 62% يرون إمكانات تعليمية قوية في هذه التقنية. المثير أن 76% من استخدامات الأطفال للواقع الافتراضي كانت للألعاب، بينما بقي الجانب التعليمي في المرتبة الثانية.• الواقع الافتراضي في مصر: تجارب ودراسات محليةلم تبقَ الأبحاث محصورة في الغرب؛ بل هناك دراسات مصرية أثبتت أن هذه التقنية قادرة على تغيير ملموس في قدرات الأطفال:جامعة القاهرة: تجربة على أطفال بمتلازمة داون (7-10 سنوات) أظهرت تحسناً بنسبة 95.6% في الانتباه و51.7% في الذاكرة البصرية بعد 12 جلسة واقع افتراضي.مستشفيات القاهرة: تجربة على 30 طفلاً أثناء إجراءات طبية مؤلمة (مثل الحقن) بيّنت انخفاضاً كبيراً في الخوف والألم عند استخدام نظارات الواقع الافتراضي.جامعة أسيوط: دراسة على 60 طفلاً ومراهقاً يخضعون للعلاج الكيميائي، أظهرت أن الواقع الافتراضي قلل من الألم والقلق وخفّض معدل ضربات القلب والتنفس أثناء الإجراء.تحليل منهجي مصري حول الأطفال المصابين بالشلل الدماغي خلص إلى أن الواقع الافتراضي يُحسّن التنسيق الحركي والتوازن، خصوصاً عند التدخل المكثف.هذه النتائج تؤكد أن التقنية ليست مجرد رفاهية، بل يمكن أن تكون أداة علاجية وتربوية في مصر، وتتماشى مع احتياجات المجتمع المحلي.بين القلق والآمال، يبقى الواقع الافتراضي سيفاً ذا حدين. فهو قادر على أن يكون أداة تعليمية مذهلة، تساعد في علاج مشكلات نفسية وتنمي المهارات العملية، لكنه قد يتحول إلى قيد إذا تُرك بلا رقابة أو توجيه.ألعاب الواقع الافتراضي ليست مجرد نزوة تكنولوجية عابرة، بل هي عالم يفرض نفسه بقوة على الأجيال الجديدة. الأبحاث العالمية والعربية تؤكد أنها قادرة على تطوير الانتباه والذاكرة، تخفيف الألم والقلق، وتعزيز المهارات الاجتماعية.لكنها أيضاً قد تحمل مخاطر الإدمان والعزلة وتشويش الإدراك. وهنا تكمن مسؤولية الأهل والمربين: أن يحوّلوا الواقع الافتراضي من ساحة للهروب إلى جسر نحو الإبداع والمعرفة.




