dhl
dhl

الأطفال المؤثرون: صناعة أرباح على حساب البراءة

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

في زمنٍ باتت فيه المنصات الرقمية نافذة يومية لحياة الملايين، لم يعد الطفل مجرد صفحة بيضاء تكتبها التجارب، بل أصبح في كثير من الحالات واجهة تجارية، وعلامة تسويقية مربحة، و”مؤثرًا صغيرًا” يُدر أرباحًا بالملايين على عائلته. إنها ظاهرة “الأطفال المؤثرين” أو Kidfluencers التي بدأت في الغرب وتمدّدت بسرعة إلى العالم العربي، حتى تحولت إلى صناعة قائمة بذاتها.في العالم الغربي، يُعتبر الطفل الأمريكي ريان كاجي (12 عامًا) النموذج الأبرز، إذ تُقدّر أرباح قناته على يوتيوب بأكثر من 20 مليون دولار سنويًا من خلال استعراض الألعاب والمنتجات. هذا النجاح الخرافي ألهم عائلات كثيرة حول العالم لنسخ التجربة وتحويل أبنائهم إلى نجوم على المنصات.أما في العالم العربي، فقد شهدنا بروز عدة أسماء لامعة في هذا المجال. قناة “عائلة مشيع” مثلًا، التي تضم أطفالًا يشاركون في مغامرات يومية ومقاطع ترفيهية، جمعت أكثر من 7 ملايين مشترك على يوتيوب.

كذلك قناة “عائلة سالم” في الخليج، التي يتابعها الملايين، وتحقق أرباحًا كبيرة من الإعلانات والرعايات. في مصر، انتشرت قنوات يقدمها أطفال صغار لمراجعة الألعاب أو مشاركة يومياتهم، مثل “نور ونادين” و “يوميات عائلة ملسوعه” للأب أشرف مع أولاده “كنان و ريتان” ، حيث وصل عدد مشاهدات بعض الفيديوهات إلى عشرات الملايين.لكن خلف هذه الشهرة البراقة، هناك أسئلة مؤرقة. ما الذي يعنيه أن يُدفع طفل في الخامسة أو السادسة ليكون أمام الكاميرا لساعات طويلة، يتدرب على الأداء، ويُوجَّه ليبتسم أو يبكي في اللحظة المناسبة؟ هل تتحول الطفولة في هذه الحالة إلى وظيفة مدفوعة الأجر؟خبراء علم النفس يحذّرون من أن الأطفال المؤثرين مهددون بفقدان أبسط حقوقهم في النمو الطبيعي. إذ يمكن أن يعيشوا ضغوطًا نفسية هائلة مرتبطة بالخوف من فقدان الجمهور، أو الارتباط المَرَضي بعدد المشاهدات والإعجابات. كما أن مشاركة تفاصيل حياتهم الخاصة قد تعرّضهم لمخاطر استغلال أو تنمّر رقمي يصعب على الأهل السيطرة عليه.ولأن هذه الظاهرة صارت صناعة ضخمة، بدأت بعض الدول تتحرك. ففي فرنسا، صدر عام 2020 قانون يفرض على الأهالي تحويل جزء من أرباح أطفالهم في المنصات إلى حساب مصرفي يُصرف لهم عند بلوغهم 18 عامًا، حمايةً لهم من الاستغلال. في المقابل، ما زالت معظم الدول العربية بلا تشريعات واضحة، ما يفتح الباب لتجاوزات واستغلال قد يترك آثارًا نفسية سلبية طويلة الأمد.ورغم الانتقادات، هناك من يرى أن هذه الظاهرة يمكن أن تُدار بشكل صحي إذا استُخدمت المنصات لإبراز مواهب حقيقية للطفل في الفن أو التعليم أو الرياضة. بعض القنوات مثل “تعليم مع لين” في الأردن، ركزت على محتوى تثقيفي يمزج بين المرح والمعرفة، محققة نجاحًا لافتًا دون الانزلاق إلى الاستغلال التجاري المفرط.يبقى السؤال مفتوحًا: هل الأطفال المؤثرون مجرد صيحة عابرة ستتلاشى بمرور الزمن، أم أننا أمام جيل جديد يولد أمام الكاميرا ويترعرع تحت أضواء الخوارزميات؟إنها مفارقة قاسية لعصرنا الرقمي: حيث تتحول الضحكة العفوية إلى إعلان ممول، واللعب البريء إلى عقد تجاري، والطفولة نفسها إلى سلعة قابلة للبيع والشراء. وإذا لم تتحرك المجتمعات لتقنين هذه الظاهرة، فقد نفاجأ قريبًا بجيل كامل لم يعرف من الطفولة سوى عدسات الهواتف وكواليس الإعلانات.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.