dhl
dhl

أفلام الرعب العربية: لماذا لم تستطع منافسة هوليوود أو نتفليكس؟

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

منذ بدايات السينما العربية، ظلّ الرعب أحد الأنواع الفنية التي لم تجد لنفسها مكانًا راسخًا على الشاشة، على الرغم من الشعبية الجارفة التي تحظى بها أفلام الرعب عالميًا، سواء في هوليوود أو في الإنتاجات الآسيوية والكورية. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا لم يستطع الرعب العربي أن يواكب هذا الزخم، وأن يحجز مكانًا في ذاكرة المشاهد كما فعلت الكوميديا أو الدراما الاجتماعية؟إذا عدنا إلى البدايات، نجد أن السينما المصرية – رائدة السينما العربية – لم تُنتج سوى محاولات متفرقة في هذا المجال. من بين تلك المحاولات فيلم «الإِنسان والوحش» (1954) الذي حاول أن يقدّم رؤية مبسطة لفكرة التحوّل الوحشي، ثم لاحقًا أفلام ذات طابع بوليسي أو غامض مثل «سفاح النساء» (1970) أو «التعويذة» (1987)، الذي يُعتبر من العلامات القليلة البارزة في هذا النوع. ومع ذلك، ظل الرعب العربي محصورًا في قوالب بدائية، تميل إما إلى الإكثار من الصراخ والمشاهد الظلامية، أو إلى الاعتماد على الخرافة الشعبية دون بناء سردي متماسك.على النقيض، صنعت هوليوود منذ الخمسينيات وحتى اليوم صناعة متكاملة لأفلام الرعب، بدءًا من كلاسيكيات مصاصي الدماء والمذؤوبين، وصولًا إلى رعب الخوارق النفسية في أعمال مثل «The Exorcist» و**«The Conjuring»**. هذه الصناعة استفادت من ميزانيات ضخمة، وتقنيات متطورة في الخدع البصرية، إضافة إلى كتابات أدبية قوية من كتّاب مثل ستيفن كينغ. أما في العالم العربي، فقد ظل الإنتاج ضعيف التمويل، وأحيانًا يُنظر إلى الرعب باعتباره “غير مربح” في شباك التذاكر، حيث يفضّل المنتجون الاستثمار في الكوميديا أو الدراما الأسرية المضمونة.لكن الصورة لم تكن دائمًا قاتمة. ففي السنوات الأخيرة، شهدنا محاولات متجددة مثل فيلم «122» (2019) الذي قدّم تجربة مثيرة من خلال الدمج بين الرعب والإثارة النفسية في إطار معاصر. كذلك ظهر فيلم «ريما» (2020) الذي حاول توظيف عنصر الطفلة الغامضة في قالب من الرعب الشعبي. وعلى صعيد آخر، قدّمت الدراما التلفزيونية دفعة قوية لهذا النوع، وخاصة مع منصة «نتفليكس» التي أنتجت مسلسل «ما وراء الطبيعة» (2020) المأخوذ عن روايات أحمد خالد توفيق.

وقد حظي العمل بإشادة واسعة، واعتُبر بداية حقيقية لرعب عربي حديث يقدّم مستوى إنتاج عالمي.لكن تبقى هناك فجوة واضحة. فالمشاهد العربي، الذي اعتاد متابعة الرعب الأميركي أو الياباني أو الكوري، ما زال يجد في الأفلام العربية ضعفًا في الإيقاع، وافتقارًا للتشويق، ومبالغة في الأداء. أما النقاد فيرون أن المشكلة ليست في “عدم وجود جمهور”، بل في غياب الصناعة المتكاملة: لا توجد مدارس متخصصة لتدريب الممثلين على الأداء في الرعب، ولا توجد استثمارات كافية في المؤثرات البصرية، ولا حتى كتّاب سيناريو يملكون خبرة في بناء عوالم مخيفة متماسكة.وعلى الرغم من ذلك، فإن التحولات الرقمية الحالية قد تمنح الرعب العربي فرصة ثانية. مع انتشار المنصات الرقمية مثل شاهد وواتش إت ونتفليكس بالعربي، أصبح بالإمكان إنتاج مسلسلات وأفلام تجريبية تستهدف جمهورًا أصغر سنًا وأكثر انفتاحًا على التجديد. وإذا ما توافر الدعم والإيمان بقدرة الرعب على المنافسة، فقد نرى خلال السنوات القادمة نهوضًا لهذا النوع، خاصة وأن التراث الشعبي العربي مليء بالأساطير والقصص المرعبة، من النداهة إلى الغول والعفاريت، التي لم تستغل بعد على الشاشة بالعمق الذي تستحقه.إن ضعف الرعب العربي لا يعكس نقصًا في الخيال أو المواد الخام، بل هو انعكاس لخيارات إنتاجية وثقافية جعلت الأنواع الأخرى تتصدّر المشهد. لكن مع تغيّر الذائقة البصرية للمشاهد العربي، الذي بات يتنقل بسهولة بين فيلم كوري على نتفليكس ومسلسل تركي على شاهد، فإن الرعب العربي أمام مفترق طرق: إما أن يظل محصورة في محاولات فردية، أو أن يتحول إلى صناعة كاملة قادرة على منافسة العالم.الرعب لم يكن يومًا مجرّد نوع فني على الهامش، بل هو تعبير عميق عن مخاوف البشر الجمعية، ومرآة لقلقهم الوجودي أمام المجهول. الشعوب التي صنعت لنفسها ملاحم رعب في السينما – من اليابان إلى أميركا – لم تكن تفعل ذلك للترفيه فقط، بل لطرح أسئلة عن الموت والحياة والهوية والخوف من الآخر. والعالم العربي، الذي يزخر بموروث من الحكايات الشعبية والأساطير المرعبة، يمتلك مادة خام لا تقل ثراءً عن أي ثقافة أخرى. ما ينقصه فقط هو القرار بالاستثمار، والجرأة على كسر القوالب، والإيمان بأن الرعب ليس نقيضًا للفن الراقي، بل أحد أعمق تجلياته.وربما يكون الجيل الجديد من المخرجين العرب، الذي تربّى على مشاهدة نتفليكس وهوليوود والسينما الآسيوية، هو الأقدر على صياغة “لغة رعب عربية” تعبر عن هواجسنا الخاصة. وحين يحدث ذلك، قد يصبح فيلم الرعب العربي القادم ليس مجرد تجربة عابرة، بل علامة فارقة تُثبت أن هذه الصناعة قادرة على منافسة الكبار. فالرعب، في نهاية المطاف، يعيش في وجداننا، وما على السينما سوى أن تُخرجه إلى النور.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.