القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
لم يعد الجمال مجرد ذوق شخصي أو معيار اجتماعي يختلف من ثقافة إلى أخرى، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى اقتصاد ضخم قائم بذاته، يدر مليارات الدولارات سنوياً ويصنع نجومه من بين صفوف الشباب والشابات على منصات التواصل الاجتماعي. ومع ازدهار عالم “المؤثرين” وانتشار المنصات الرقمية، أصبح مجال التجميل — من المكياج والعناية بالبشرة إلى الجراحات التجميلية البسيطة والمنتجات الطبيعية — ساحة رئيسية للربح والابتكار والتجارب الجديدة.في الماضي، كانت صناعة التجميل محصورة في صالونات التجميل، المتاجر المتخصصة، أو إعلانات التلفزيون التقليدية. أما اليوم، فقد انقلب المشهد رأساً على عقب. صار الهاتف المحمول والكاميرا الأمامية هما المنصة الذهبية التي يقدّم من خلالها الشباب تجاربهم مع المنتجات، نصائحهم، وحتى حياتهم اليومية. وبفضل هذا التحول، ظهرت فئة جديدة تُعرف باسم “روّاد اقتصاد الجمال الرقمي”، وهم أولئك المؤثرون الذين يجمعون بين الشغف بالمظهر وبين مهارات التسويق الذاتي.الأرقام تكشف حجم هذه الظاهرة. وفقاً لتقارير السوق العالمية، وصلت قيمة صناعة التجميل في 2024 إلى ما يزيد على 600 مليار دولار، والمتوقع أن تتضاعف خلال العقد القادم بفعل توسع الطلب في الأسواق الناشئة وتزايد اعتماد المستهلكين على توصيات المؤثرين عبر السوشيال ميديا. بالنسبة للشباب، أصبحت هذه الصناعة مصدر دخل رئيسياً لا يستهان به؛ فمقاطع قصيرة لمراجعة أحمر شفاه أو كريم بشرة قد تجلب عقود إعلانات بمبالغ ضخمة، بينما قد تتحول قنوات اليوتيوب والتيك توك إلى منصات تجارية متكاملة.ورغم أن السوشيال ميديا جعلت أدوات التجميل في متناول الجميع، إلا أن طب التجميل أصبح هو الآخر جزءاً أساسياً من هذه المنظومة. فالإجراءات الطبية مثل الفيلر، البوتوكس، الليزر، وتقنيات تجديد البشرة لم تعد تقتصر على النخبة أو مشاهير الفن، بل أصبحت متاحة لجمهور واسع يبحث عن نتائج سريعة ومضمونة.وهنا تتقاطع العلم والتسويق في خط رفيع؛ فالأطباء أنفسهم يلجأون إلى المنصات الرقمية للترويج لخدماتهم، بينما يعتمد الجمهور على آراء المؤثرين قبل اتخاذ قرار التجربة.
هذا التزاوج بين الجانب العلمي والدعاية الإلكترونية خلق سوقاً ضخمة، لكنه أثار في الوقت نفسه جدلاً حول مصداقية بعض المعلومات الطبية التي تُبسط أو تُبالغ بهدف جذب المتابعين.الأمر لا يتوقف عند حدود الأرباح أو الطب، بل يتجاوزها إلى كونه قوة ناعمة تعكس أنماط التفكير وقيم الجيل الجديد. من تعزيز الثقة بالنفس إلى تحدي معايير الجمال التقليدية، باتت المنصات تعج بحملات تشجع على التنوع وتقبّل الاختلاف. لم يعد الجمال يعني وجهاً مثالياً أو جسداً مطابقاً للصور النمطية، بل أصبح أداة لإبراز الهوية والحرية الشخصية.ورغم هذا البريق، إلا أن الطريق ليس مفروشاً بالورود. فالاعتماد المفرط على المظهر قد يؤدي إلى ضغوط نفسية، وانتشار منتجات مقلدة أو ضارة يشكّل خطراً صحياً كبيراً. أما في الجانب الطبي، فهناك تحديات أخطر، إذ تنتشر مراكز تجميل غير مرخّصة أو تعتمد على ممارسات غير آمنة قد تترك آثاراً سلبية دائمة. كما أن غياب التشريعات الصارمة أحياناً يترك المجال مفتوحاً للتلاعب بالمستهلكين واستغلال حاجتهم إلى “الكمال”.في نهاية المطاف، يُظهر لنا اقتصاد الجمال كيف استطاع الشباب تحويل الشغف إلى فرصة، والمظهر إلى مصدر رزق، والاهتمام الشخصي إلى صناعة عابرة للحدود. إنه اقتصاد لا يقوم فقط على أدوات التجميل، بل على قدرة جيل بأكمله على إعادة تعريف الجمال وفق رؤيته الخاصة.لكن يبقى السؤال: هل سيستطيع هذا الجيل الموازنة بين إغراءات التسويق وحقائق العلم، وبين الطموح في الشهرة والحفاظ على الصحة النفسية والجسدية؟ ربما يكون التحدي الأكبر في المرحلة القادمة هو وضع حدود واضحة تضمن أن يظل الجمال وسيلة للارتقاء لا عبئاً يُثقل النفوس.فالجمال لم يعد مرآةً فقط، بل أصبح عملةً رقمية وعلمية تفتح الأبواب أمام فرص غير مسبوقة، وتؤكد أن المستقبل قد يُصاغ على يد جيل يعرف كيف يحوّل التفاصيل الصغيرة إلى قصص نجاح كبرى.


