القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
ما أعجب أن يتحوّل الحارس إلى خائن، والدفاع إلى هجوم، والجسد إلى ساحة حرب يوجّه فيها سلاحه ضد ذاته. تلك هي المفارقة المؤلمة التي تختصر مأساة أمراض المناعة الذاتية، واحدة من أكثر الظواهر الطبية غموضًا في العصر الحديث. ففي هذه الأمراض، يضلّ الجهاز المناعي طريقه، فيرى الأنسجة السليمة عدوًا، ويعلن عليها حربًا لا هوادة فيها.تُعدّ أمراض المناعة الذاتية واحدة من أعقد ألغاز الطب في العصر الحديث، فهي الأمراض التي تتحوّل فيها منظومة الدفاع الطبيعي في الجسم من حارس أمين إلى عدو داخلي، فتهاجم الأجسام المضادة أنسجة الإنسان نفسه بدلًا من مواجهة الأجسام الغريبة. هذه الظاهرة الغامضة، التي ما زالت تحيّر العلماء، تجمع بين الغرابة والانتشار في آنٍ واحد، إذ تُقدَّر نسبة الإصابة بها عالميًا بما يقارب 5 إلى 8% من مجموع السكان، مع ميلٍ متزايد للإصابة بين النساء أكثر من الرجال، وبالأخص في أعمار الشباب.وتشمل قائمة أمراض المناعة الذاتية طيفًا واسعًا من الحالات، أبرزها الذئبة الحمراء، والتصلب المتعدد، والروماتويد المفصلي، وداء السكري من النوع الأول، والبهاق، وغيرها من الأمراض التي كثيرًا ما تعجز المنظومات الصحية عن تشخيصها المبكر بدقة. وما يزيد من صعوبة هذه الأمراض أنّ أعراضها تتداخل مع أمراض شائعة أخرى؛ فقد تبدأ بآلام المفاصل أو الإرهاق أو الطفح الجلدي، ثم تتطور تدريجيًا لتصيب أجهزة متعددة من الجسم، كالجهاز العصبي أو الكُلى أو الجلد أو الأوعية الدموية.ورغم التقدم الهائل في علم المناعة وعلم الوراثة، ما زالت الأسباب الدقيقة وراء هذه الاضطرابات غامضة. تشير الأبحاث إلى أن العوامل الوراثية تلعب دورًا كبيرًا في الاستعداد للإصابة، إذ حُددت بعض الجينات المرتبطة بزيادة خطر أمراض مثل الذئبة والتصلب المتعدد. ومع ذلك، فإن العوامل البيئية – مثل العدوى الفيروسية، والتعرض للتلوث، والتغيرات الهرمونية، وحتى نمط التغذية – تبدو جميعها عوامل مساهمة في تحفيز ظهور المرض لدى الأشخاص ذوي القابلية الوراثية.
وإذا انتقلنا إلى المشهد العربي، نجد أنّ أمراض المناعة الذاتية لم تعد بعيدة عن واقعنا الصحي. ففي مصر، تشير تقديرات غير رسمية إلى أنّ معدلات الإصابة بمرض الذئبة الحمراء وحده تتراوح بين 40 إلى 60 حالة لكل مئة ألف شخص، بينما تتزايد نسب الإصابة بالتصلب المتعدد خصوصًا بين الشباب الجامعي، إذ تُسجَّل سنويًا مئات الحالات الجديدة في المراكز المتخصصة. أما في منطقة الخليج، فقد لفتت تقارير طبية إلى أنّ الروماتويد المفصلي والبهاق من أكثر أمراض المناعة الذاتية شيوعًا، وهو ما يرتبط بعوامل بيئية مثل ارتفاع الحرارة، ومستويات التلوث، والتغيّر السريع في أنماط الحياة الغذائية. هذه الأرقام، رغم محدودية الدراسات الميدانية، تعكس أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على الغرب، بل إنها تمثل تحديًا صامتًا للأنظمة الصحية في المنطقة، وتفرض الحاجة إلى حملات توعية وتشخيص مبكر، إلى جانب الاستثمار في الأبحاث المحلية التي يمكن أن تسهم في فهم خصوصية انتشار هذه الأمراض في مجتمعاتنا.في العقدين الأخيرين، قفز الطب قفزات ملحوظة في مجال العلاج المناعي، فظهرت أدوية بيولوجية تستهدف بدقة بروتينات أو خلايا معينة في الجهاز المناعي بهدف كبح نشاطها المفرط. هذه الأدوية مثل «الإنترلوكين» و«مثبطات عامل نخر الورم» غيّرت مسار الكثير من الأمراض، ومنحت المرضى حياة أطول وأكثر جودة. ومع ذلك، تبقى هذه العلاجات باهظة الثمن وتحتاج إلى متابعة دقيقة، مما يجعلها بعيدة المنال في كثير من الدول النامية.وقد باتت التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي تُستخدم في محاولات الكشف المبكر عن أمراض المناعة الذاتية، عبر تحليل ملايين البيانات الطبية والتاريخ المرضي والجيني للمرضى. كما أن مشروع «الجينوم البشري» وما تبعه من تقنيات تحرير الجينات مثل «كريسبر» يفتح الباب أمام احتمالات مستقبلية لعلاجات جذرية قد تعيد ضبط الجهاز المناعي أو تصحح الخلل في الجينات المسببة للمرض.لكن مع كل هذه الإنجازات، يظل السؤال مطروحًا: هل يمكن للعلم أن يصل يومًا إلى علاج نهائي لهذه الأمراض، أم أن المناعة الذاتية ستظل لغزًا أبديًا يذكّرنا بحدود معرفتنا وتعقيد أجسادنا؟ إنّ ما هو مؤكد حتى الآن أنّ هذه الأمراض لم تعد «هامشية»، بل باتت جزءًا من مشهد الصحة العالمية، تفرض نفسها على أولويات البحث العلمي والسياسات الصحية على السواء.في النهاية، تبقى أمراض المناعة الذاتية أشبه بـ”مرآة” تعكس هشاشة التوازن الدقيق داخل أجسادنا؛ توازن إذا اختلّ تحوّل أعظم دفاع لنا إلى أقسى أعدائنا. وهنا يكمن التحدي الأكبر أمام الطب الحديث: كيف نعيد لجهاز المناعة البوصلة التي فقدها دون أن نفقد نحن أنفسنا في معركة مع أجسادنا.




