القاهرة – نهاد شعبان:
في قلب القاهرة وعلى ضفاف النيل ستجد الصرح العظيم لدار الأوبرا المصرية كأحد أهم رموز الثقافة والفنون في العالم العربي، فدار الأوبرا ليست مجرد مبنى يحتضن الحفلات والعروض، بل هي معبد للفنون، وصوت القاهرة الراقي الذي يعبر عن الوجه الحضاري لمصر، ونافذتها التي تطل بها على العالم عبر الموسيقى، والغناء، والمسرح، والباليه.
بدأت حكاية الأوبرا المصرية مع افتتاح الأوبرا الخديوية في وسط القاهرة عام 1869، في عهد الخديوي إسماعيل، بمناسبة احتفالات افتتاح قناة السويس، كانت وقتها أول دار أوبرا في أفريقيا والشرق الأوسط، وقدمت أوبرا “عايدة” الشهيرة لفيردي، التي أصبحت فيما بعد أيقونة مرتبطة باسم مصر عالميا، لكن هذا الصرح الفني العظيم تعرض للحريق عام 1971، ما ترك فراغا ثقافيا كبيرا في المشهد الفني المصري، احتاجت القاهرة لعقد ونصف حتى يبنى صرح جديد يليق بتاريخها الفني، فجاء افتتاح دار الأوبرا المصرية الحالية عام 1988، هدية من اليابان لمصر، لتعيد للفنون مكانتها، وتمنح القاهرة فضاء ثقافيا عالميا من الطراز الرفيع.
يضم مبنى دار الأوبرا المصرية عدة مسارح منها المسرح الكبير الذي يتسع لأكثر من 1200 متفرج، والمسرح الصغير المخصص للحفلات الأكثر خصوصية، ومسرح الجمهورية، إضافة إلى مسرح الهواء الطلق، وقاعات للفنون التشكيلية، ومكتبة موسيقية، وهذا التنوع جعل الأوبرا مركزا ثقافيا متكاملا، يجمع كل أشكال الفنون في مكان واحد، كما أن الأوبرا ليست مجرد عروض كلاسيكية أوروبية، بل هي بوتقة تنصهر فيها الثقافات العالمية مع الهوية المصرية، بداخلها تسمع سيمفونيات بيتهوفن وموزارت جنبا إلى جنب مع روائع أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وترى عروض الباليه العالمي بجوار فرق الفلكلور المصري التي تحافظ على التراث الشعبي، وبهذا المعنى، أصبحت دار الأوبرا المصرية صوت القاهرة الراقي لتعكس صورة عاصمة تملؤها بالحياة، لكنها في الوقت نفسه تعرف قيمة الفن الراقي، وتمنحه مكانته المستحقة.
ومنذ افتتاحها وحتى اليوم، لعبت الأوبرا دورا كبيرا في تشكيل الوعي الثقافي، خاصة لدى الأجيال الجديدة، فهي لم تقتصر على تقديم العروض العالمية فقط، بل احتضنت أيضا الأصوات الشابة، والفرق المصرية الجديدة، وفتحت أبوابها للمهرجانات الثقافية، والاحتفالات الوطنية، والفعاليات التي تربط الفن بحياة الناس، ومن أبرز ما يميزها هو استمرار أمسيات الموسيقى العربية، التي تحيي تراث الطرب الأصيل، وتعيد تقديم أغاني الكبار بروح جديدة، مما يجعل الجمهور في حالة تواصل مستمر مع ذاكرته الفنية، فدار الأوبرا ليست مكانا للنخبة فقط كما قد يعتقد البعض، هي فضاء عام يستقبل الجميع طلاب، أسر، سائحين، وباحثين عن لحظة جمال وسط ضجيج الحياة، وأسعار التذاكر غالبًا ما تكون في متناول فئات واسعة، وهو ما يعكس فلسفة الدولة في جعل الفن الراقي متاحا للجميع.
كما لعبت الأوبرا المصرية دور الجسر بين الثقافات، فكم من فرقة عالمية جاءت إلى القاهرة وقدمت عروضها على مسارحها، وكم من فنان مصري وقف هناك وسمع تصفيق جمهور من شتى أنحاء العالم، وهذا التبادل الثقافي جعل الأوبرا ساحة حوار عالمي، تعكس كيف يمكن للفن أن يوحد الشعوب رغم اختلاف لغاتها وهوياتها، ورغم هذه الإنجازات تواجه دار الأوبرا المصرية تحديات كثيرة، أبرزها جذب الأجيال الجديدة في عصر السرعة والتكنولوجيا، حيث تغزو الموسيقى التجارية أسواق الفن، لكن الأوبرا تراهن على أن الفن الراقي يظل حيا، وأن الناس في لحظة ما يحتاجون إلى الرجوع للجذور الأصيلة، ولذلك تستمر الأوبرا في تطوير برامجها، وإضافة فعاليات جديدة، مثل ورش تعليم الموسيقى للأطفال، والندوات التثقيفية، وعروض الفنون المعاصرة، لتظل حاضرة بقوة في قلب القاهرة، ومرتبطة بمستقبلها الثقافي.


