dhl
dhl

“ثورة على عجلات: متى تصل السيارات ذاتية القيادة إلى شوارعنا العربية؟”

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

لم يعد مشهد السيارة التي تسير بلا سائق مجرد حلم هوليوودي أو مشهد من أفلام الخيال العلمي، بل أصبح واقعًا ملموسًا يتسارع في مدن العالم المتقدم. هذه المركبات الذكية، التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي والكاميرات والرادارات وأجهزة الاستشعار فائقة الدقة، تَعِد بثورة غير مسبوقة في عالم النقل، حيث تنخفض الحوادث المرورية، وتقل الانبعاثات الكربونية، ويعاد تشكيل مفهوم القيادة من جديد. لكن يظل السؤال مطروحًا بإلحاح: متى يمكن أن نشهد هذه السيارات تجوب شوارع العواصم العربية، من القاهرة إلى دبي، ومن الدوحة إلى عمان؟لقد قطعت دول كبرى مثل الولايات المتحدة وألمانيا والصين خطوات هائلة في هذا الميدان. ففي ولاية أريزونا الأمريكية مثلًا، تسير سيارات “وايمو” التابعة لغوغل بلا سائق منذ سنوات، فيما تجري شركات مثل تسلا تجارب على أنظمة قيادة شبه ذاتية تزداد تطورًا مع مرور الوقت. وتشير تقديرات مؤسسة “ماكنزي” إلى أن السوق العالمية للسيارات ذاتية القيادة قد تصل قيمتها إلى نحو 600 مليار دولار بحلول عام 2035، مع توقعات بأن يشكل هذا النوع من المركبات ما يقرب من 15% من إجمالي السيارات على الطرق بحلول منتصف القرن.أما في أوروبا، فقد بدأت مدن مثل ميونيخ وستوكهولم وباريس في تخصيص مسارات تجريبية لهذه المركبات، بينما في الصين تسير مئات سيارات الأجرة الذاتية القيادة بالفعل في مدن مثل بكين وشنتشن، مدعومة باستثمارات ضخمة من شركات مثل بايدو وهواوي.

اللافت أن معدل الحوادث الناجمة عن هذه السيارات في التجارب الأولية أقل بنسبة 40% من الحوادث الناتجة عن القيادة البشرية، وهو ما يعزز قناعة الخبراء بأن المستقبل سيحمل قيادة آمنة بفضل الذكاء الاصطناعي.وفي منطقتنا العربية، تبرز الإمارات كنموذج متقدم، إذ أعلنت دبي أنها تخطط لجعل 25% من وسائل النقل في الإمارة ذاتية التشغيل بحلول 2030. وقد أجرت بالفعل تجارب على سيارات أجرة ذاتية القيادة بالتعاون مع شركات عالمية مثل “كروز” الأمريكية و”تسلا”، كما أدخلت حافلات صغيرة تسير دون سائق في بعض المناطق الحديثة. السعودية من جانبها تسعى لتوظيف هذه التكنولوجيا في مدينة “نيوم” المستقبلية، حيث يشكّل النقل الذكي ركيزة أساسية لرؤيتها العمرانية والاقتصادية. أما مصر، التي تعاني من ازدحام مروري شديد في العاصمة القاهرة، فقد بدأت خطوات تدريجية نحو المدن الذكية، مثل العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة، ما يجعلها بيئة صالحة مستقبلًا لتجارب السيارات الذاتية القيادة، بعيدًا عن الفوضى المرورية التقليدية.لكن التحديات أمام دخول هذه التكنولوجيا ليست بسيطة. فهناك عقبات تتعلق بالبنية التحتية، مثل الحاجة إلى طرق مجهزة بحساسات وشبكات اتصال فائقة السرعة (5G على الأقل)، إضافة إلى أنظمة مرور رقمية متكاملة. وهناك أيضًا تساؤلات قانونية لم تُحسم بعد: من يتحمل المسؤولية إذا وقع حادث؟ الشركة المصنعة؟ أم مالك السيارة؟ أم مبرمج النظام؟ هذا الجدل القانوني ما زال قائمًا حتى في الدول المتقدمة. أما من الناحية الاجتماعية، فهناك عقبة تتعلق بثقة الناس. فالمواطن العربي، الذي اعتاد أن يرى في السيارة امتدادًا لشخصيته ومهاراته، قد يجد صعوبة في البداية في تقبّل فكرة أن آلة بلا سائق هي من تتحكم في حياته على الطريق. لكن الدراسات تشير إلى أن الأجيال الشابة، الأكثر ألفة مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ستكون أسرع في منح ثقتها لهذه المركبات مقارنة بالأجيال الأكبر سنًا.إضافة إلى ذلك، ثمة بُعد اقتصادي مهم؛ إذ إن تكلفة إنتاج السيارات ذاتية القيادة ما زالت مرتفعة للغاية، حيث تتراوح أسعارها بين 70 و100 ألف دولار، وهو ما يجعلها بعيدة عن متناول المستهلك العادي في منطقتنا. لكن بمرور الوقت وتطور التقنية وتوسّع الإنتاج، يُتوقع أن تنخفض الأسعار تدريجيًا، مثلما حدث مع الهواتف الذكية التي كانت في بداياتها رفاهية للأغنياء فقط، ثم أصبحت في متناول الجميع.إن قدوم السيارات ذاتية القيادة إلى العالم العربي يبدو أقرب إلى أن يكون مسألة “متى” لا “هل”. فقد تفرضها الحاجة إلى تقليل الحوادث التي تحصد آلاف الأرواح سنويًا، وإلى خفض التلوث الذي يخنق المدن الكبرى، وإلى ترشيد استهلاك الوقود في وقت يشهد العالم تحولات كبرى نحو الطاقة النظيفة. وقد تكون البداية في المدن الجديدة المخططة بعناية مثل نيوم والعاصمة الإدارية، لتنتقل لاحقًا إلى المدن المزدحمة مثل القاهرة وجدة وبيروت.السيارات ذاتية القيادة ليست مجرد نقلة في عالم التكنولوجيا، بل ثورة اجتماعية وثقافية أيضًا، إذ ستغير طريقة تفكيرنا في الملكية، والزمن، وحتى مفهوم التنقل نفسه. وفي عالم عربي يتطلع إلى المستقبل رغم التحديات، قد تكون هذه السيارات يومًا ما رمزًا لتحول حضاري كامل، لا مجرد وسيلة نقل.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.