القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
منذ أن خطّ تشارلز داروين ملاحظاته حول تطور الكائنات، ظلّ سؤال الانقراض حاضرًا باعتباره نهاية حتمية لأي نوع لم يستطع التأقلم مع متغيرات البيئة أو نجاة من تدخل الإنسان. لكن في القرن الحادي والعشرين، لم يعد الانقراض نهاية مطلقة، إذ بدأ العلم يسعى جديًا إلى إعادة الحياة لما اندثر منذ قرون وآلاف السنين، في ثورة بيولوجية يطلق عليها العلماء مصطلح “إحياء الكائنات المنقرضة” أو De-extinction. هذه الثورة ليست مجرد تجربة معملية، بل مشروع عالمي يحظى بدعم من مليارديرات ومستثمرين كبار، ويثير في الوقت نفسه موجة من التساؤلات الأخلاقية والبيئية.أبرز المشاريع وأكثرها إثارة هو مشروع الماموث الصوفي، الحيوان الضخم الذي جاب سهول سيبيريا قبل أن ينقرض منذ نحو 4 آلاف عام. شركة Colossal Biosciences بالتعاون مع فريق من جامعة هارفارد بقيادة العالم جورج تشيرش، تعمل على استخدام تقنية CRISPR-Cas9 لتعديل جينات الفيل الآسيوي الأقرب وراثيًا للماموث، بهدف إنتاج كائن جديد يحمل معظم صفات الماموث. الهدف المعلن ليس فقط إعادة “إحياء” الحيوان لأغراض علمية أو استعراضية، بل الاستفادة منه في إعادة تشكيل النظام البيئي القديم، حيث يُعتقد أن الماموث كان له دور أساسي في الحفاظ على التربة المتجمدة في سيبيريا، ما قد يساعد في إبطاء ذوبان الجليد ومواجهة الاحتباس الحراري.لكن الماموث ليس وحده على قائمة الإحياء. فقد عاد اسم طائر الدودو، الذي انقرض في جزيرة موريشيوس في القرن السابع عشر نتيجة الصيد الجائر والاستعمار الأوروبي، إلى دائرة البحث العلمي. في عام 2023 أعلنت نفس الشركة أنها بدأت فعليًا في تحليل الحمض النووي للدودو المحفوظ في المتاحف، ومقارنته بالحمام النيكوباري المعاصر، أقرب أقربائه الأحياء. الهدف هذه المرة رمزي أكثر، باعتباره محاولة لتعويض خطأ بشري مباشر أدى إلى اندثاره، ورسالة مفادها أن العلم قادر على إصلاح ما أفسده الإنسان.
وإلى جانب الماموث والدودو، هناك قائمة أخرى من الكائنات المرشحة للإحياء، منها النمر التسماني أو “الثايلسين” الذي انقرض في أستراليا في الثلاثينيات، والحمام الزاجل الذي كان يملأ سماء أمريكا الشمالية حتى أوائل القرن العشرين، وكذلك الماعز البيريني الذي أُعلن انقراضه عام 2000 ثم جرى استنساخه جزئيًا عام 2003، لكنه عاش دقائق فقط قبل أن ينفق مجددًا. هذه التجارب، رغم فشل بعضها، أظهرت أن الحدود بين الممكن والمستحيل في علم الأحياء لم تعد كما كانت.غير أنّ المشروع لا يخلو من الانتقادات. ففريق من العلماء وعلماء البيئة يحذرون من أن إعادة إدخال كائنات منقرضة إلى بيئات لم تعد كما كانت قد يربك السلاسل الغذائية ويهدد الأنواع الحالية. على سبيل المثال، أين سيتكيف الماموث في ظل تغيّر المناخ؟ وهل سيكون للدودو مكان في أنظمة بيئية تعرّضت للتغير بفعل الإنسان لقرون؟ هناك أيضًا جدل أخلاقي: هل يحق للإنسان أن “يلعب دور الإله” في إعادة تشكيل الحياة؟ أم أن ذلك مجرد غرور علمي؟في المقابل، هناك من يرى أن هذه التقنية قد تفتح آفاقًا غير متوقعة، ليس فقط في استعادة المنقرضات، بل في حماية الأنواع المهددة بالانقراض اليوم. فالتقنيات نفسها التي يُراد بها إحياء الماموث قد تساعد في تعزيز التنوع الجيني للنمور أو حيوانات وحيد القرن، وبالتالي إنقاذها من المصير نفسه. كما أن بعض البيئيين يرون أن إعادة بعض الكائنات المنقرضة قد تعيد التوازن الطبيعي إلى مناطق تدهورت بفعل غيابها.الجدل لا يتوقف عند حدود البيئة، بل يمتد إلى المجال الثقافي والخيالي. أفلام مثل “Jurassic Park” شكّلت وعي أجيال كاملة بفكرة عودة المنقرضات، لكن الفارق اليوم أن ما كان خيالًا سينمائيًا أصبح على طاولة البحث العلمي. ورغم استبعاد العلماء إمكانية إحياء الديناصورات لعدم توافر حمض نووي صالح بعد مرور ملايين السنين، فإن مجرد ذكر الفكرة يكفي لإشعال فضول الجماهير والإعلام.ويبدو أننا أمام منعطف حاسم في تاريخ العلم. الانقراض لم يعد مفهومًا مطلقًا، بل قد يتحول إلى مرحلة مؤقتة يمكن تجاوزها إذا توافرت التقنيات والموارد. وبين من يصفها بأنها “ثورة بيولوجية ستنقذ الأرض” ومن يحذّر من “جنون علمي سيطلق أشباح الماضي”، تبقى الحقيقة أن السنوات القادمة ستكشف لنا إن كان الماموث سيعود فعلًا ليسير فوق جليد سيبيريا، أو أن الدودو سيملأ سماء موريشيوس من جديد، أم أن هذه المشاريع ستظل حبيسة المختبرات والخيال البشري.




