القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
في زمنٍ لم يعد فيه التنفس أمراً بديهياً، برزت تجارة غريبة تختصر مأساة الحاضر وملامح المستقبل: تجارة الهواء المعلّب. الفكرة التي بدأت كدعابة احتجاجية في الصين عام 2013، عندما قرر ملياردير تعبئة هواء نقي من الجبال وبيعه لسكان بكين المرهقين من الضباب الدخاني، تحوّلت خلال سنوات قليلة إلى صناعة ناشئة تزداد رواجاً في مدن العالم الأكثر تلوثاً.ففي الصين والهند، حيث يتجاوز التلوث الحدود المسموح بها أحياناً عشرات المرات، لم تعد الكمامات كافية، وبدأ السكان يبحثون عن جرعة من الهواء النقي كما يبحث العطشان عن قطرة ماء. هنا ظهرت شركات مثل Vitality Air الكندية، التي صارت تصدّر زجاجات مليئة بهواء جبال الروكي إلى آسيا. وسرعان ما تبعتها شركات أخرى في أستراليا ونيوزيلندا، تعرض “اشتراكات شهرية” يحصل بموجبها العميل على عدة عبوات تكفيه للاستنشاق في البيت أو العمل.المشهد يبدو سوريالياً: زجاجة صغيرة من الهواء قد يصل سعرها إلى 30 دولاراً، وربما أكثر إذا كان مصدرها “الألب” أو “الغابات الكندية”. وفي أسواق الهدايا السياحية، يُباع الهواء كمنتج فاخر إلى جوار العطور والنبيذ، بل إن بعض المقاهي في نيودلهي تقدم جلسات استنشاق أوكسجين نقي مقابل رسوم بالساعة. وكأن أبسط مقومات الحياة تحوّلت إلى رفاهية تُسوّق للطبقات الميسورة، بينما تكافح الأغلبية العظمى في شوارع خانقة حيث يعادل استنشاق الهواء ليوم واحد تدخين 20 سيجارة كاملة.لكن خلف هذا المشهد التجاري المثير للدهشة تكمن مأساة صحية وإنسانية عميقة. فبحسب منظمة الصحة العالمية، يلقى 7 ملايين إنسان حتفهم سنوياً بسبب تلوث الهواء، فيما يتنفس أكثر من 90% من سكان العالم هواءً غير آمن على الصحة. أمراض الربو، وسرطانات الرئة، وأزمات التنفس، لم تعد تقتصر على فئات عمرية محددة، بل تطال الأطفال وكبار السن على حد سواء، حتى في المدن التي كانت تُعرف يوماً بنقاء أجوائها.الأخطر أن هذه الصناعة الناشئة قد تصبح بديلاً عن مواجهة جذور الأزمة. فبدلاً من الاستثمار في سياسات بيئية تقلّل من الانبعاثات وتفرض معايير صارمة على المصانع ووسائل النقل، يجد البعض في تجارة الهواء المعلّب حلاً قصير الأمد يدرّ أرباحاً خيالية. والمفارقة أن ما بدأ كوسيلة احتجاج على التلوث بات يُسوّق اليوم كمنتج فاخر يُباع في المتاجر الكبرى.ولأن التحدي لم يعد بيئياً فقط بل صار صحياً واقتصادياً، بدأت بعض الدول بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار الذكية لرصد جودة الهواء لحظة بلحظة. فالمجسات الدقيقة المنتشرة في الشوارع والمنازل باتت تقيس نسب الغازات السامة والجزيئات العالقة، وتبث بياناتها إلى تطبيقات على الهواتف الذكية. هذه التقنيات تتيح للناس معرفة الوقت والمكان الأكثر أماناً للخروج، كما تمكّن الحكومات من رسم خرائط تفصيلية للتلوث واتخاذ قرارات أسرع.
أما الذكاء الاصطناعي، فيدخل على الخط بتحليل ملايين البيانات الجوية لتوقّع موجات التلوث قبل حدوثها، واقتراح خطط للحد منها. بعض المدن الكبرى بدأت بالفعل باستخدام هذه الأنظمة لتحديد الأحياء الأكثر عرضة للخطر وإصدار تنبيهات مبكرة للسكان. وهكذا يتداخل العلم مع التكنولوجيا ليقدّم بارقة أمل، لكن النجاح الحقيقي يظل مرهوناً بالإرادة السياسية في فرض سياسات بيئية صارمة.ومع أن هذه الظاهرة تتركز حالياً في آسيا وبعض مدن الغرب، إلا أن السؤال الملح هو: هل نشهد قريباً دخولها إلى العالم العربي؟ في القاهرة، حيث تختلط عوادم السيارات بدخان المصانع، أو في بغداد حيث يفاقم الغبار العالق أزمة التنفس، أو حتى في مدن خليجية تشهد ارتفاعاً في معدلات التلوث نتيجة التوسع العمراني، قد يصبح الهواء المعبّأ مشهداً مألوفاً. ليس الأمر مستحيلاً، خاصة وأن المنطقة تواجه تحديات مناخية متزايدة.وفي النهاية، يضعنا هذا المشهد أمام معضلة وجودية: هل يمكن أن نرضى بمستقبل يُباع فيه الهواء كما يُباع الماء المعبأ اليوم؟ أم أن هذه التجارة يجب أن تكون جرس إنذار يوقظ الضمير العالمي قبل أن نصل إلى مرحلة يتنفس فيها الأثرياء هواءً نقياً من قارورة، بينما يختنق الفقراء بما تبقى في المدن الملوثة؟إن الحق في التنفس ليس رفاهية، بل حق إنساني أصيل. وما بين “زجاجة أوكسجين” وسماء صافية، يكمن الفارق بين عالم يستسلم للأزمات، وعالم يختار أن يقاتل من أجل الحياة.



